فوقت من الغيبوبه

فوقت من الغيبوبة في اللحظة المناسبة بالظبط…
عشان أسمع ابني وهو بيقول:
أول ما يمو*ت، هنودي الست دي دار مسنين… ملهاش لزمة تقعد لوحدها 🥹

أصوات عارفها وحافظها زي اسمي.
ابني كريم.
بنتي سلمى.

واقفين جنب السرير اللي فاكرينه سرير مو*تي.

كريم وطّى وهمس:
أول ما يمو*ت، هنودي العجوزة دي دار رعاية…
أصلها مش هتعرف تعيش لوحدها في البيت ده.

سلمى اتنهدت وقالت:
ماشي… بس لازم نجهز الورق من دلوقتي.
وأول ما يروح فيها، نبيع البيت فورًا… ونقسم كل حاجة بينا.

قلبي وقف من الصدمة.
أنا اللي قومت من جلطة… وعافرت عشان أرجع لهم…
وأول كلمة أسمعها تبقى هي دي؟

كان نفسي أفتح عيني…
كان نفسي أصرخ في وشهم…
كان نفسي أسألهم:
إنتوا إمتى بقيتوا قساة كده؟

بس فضلت ساكت.
لأن نبرة صوتهم مكنش فيها ذرة حزن…
كان فيها تخطيط وبس.

مثل إنك زعلان شوية يا كريم،
سلمى همست له.
عشان الناس متتكلمش علينا.

وبعدها مشيوا…
وخطواتهم اختفت في الطرقة كأن مفيش حاجة حصلت.

في اللحظة دي بس…
عرفت الحقيقة.
أنا مكنتش مريض بيتعالج…
أنا كنت عقبة في طريقهم ومستنيينها

تتشال.
شاشة المونيتور بدأت تصفر،
وكأن الجهاز حاسس باللي جوايا…
مش وجع جسم…
ده كسر نفس.

بعد ساعات طويلة،
دخلت ممرضة الوردية الليلية تعدل لي الغطا.

فتحت عيني بالعافية، وبصوت واطي جدًا قلتلها:
كلمي مراتي…
وقولي لها تيجي لوحدها…
مفيش حد معاها.

الممرضة اتسمرت مكانها من المفاجأة،
وبعدين هزت راسها وخرجت تجري.

لما هالة وصلت بعد نص الليل،
كانت ملامحها مهدودة،
وعينيها حمرا من كتر العياط.

مسكت إيدي… ومطقتش بكلمة.

بصيت في عينيها…
ولأول مرة من ساعة الجلطة…
قدرت أتكلم.

أنا سمعتهم يا هالة.

وشها اتخطف.
مسألتنيش سمعت مين…
كأنها كانت عارفة وخايفة من اللحظة دي.

سمعت كل حاجة.

مصرختش… منهاريتش…
بس إيدها بدأت ترعش،
ودمعة نزلت منها على الملاية البيضا.

قربت منها وهمست:
يا هالة… لو خرجت من هنا على رجلي،
مش هكون الراجل اللي هما عارفينه أبدًا.

رفعت راسها ببطء…
وفي عينيها، مشفتش خوف…
شفت قرار.

قالت بصوت ثابت وقوي:
يبقى… نمشي من هنا.

وفي اللحظة دي،
وأنا لسه على سرير المستشفى،
وعيالي فاكرين إني بودّع…
بدأت أرسم أخطر

خطة في حياتي.
بس اللي مكنتش أعرفه وقتها…
إن هروبنا ده مش هيعدي بالساهل،
وإن أول مكالمة تليفون هتيجي بعد ما نختفي…
هتقلب كل حاجة،
وهتعلن حرب… الرجوع فيها مستحيل.

باقي القصة في أول تعليق…
عدّت تلات أيام وأنا بلعب دور الميت اللي لسه بيتنفس.
لا شكوى، لا حركة زيادة، ولا كلمة قدّام حد.

كريم وسلمى كانوا بييجوا زيارة سريعة،
كلامهم كله دعاء محفوظ،
ونظراتهم بتعدّي على الأجهزة أكتر ما بتعدّي عليّ.

أما هالة…
فكانت بتيجي لوحدها،
تقعد جنبي تمسك إيدي،
ومن غير ولا كلمة كنا بنفهم بعض.

في اليوم الرابع، الدكتور قال:
– الحالة مستقرة… ممكن يخرج خلال أسبوع.

شوفت لمعة فرحة في عيون ولادي،
بس مش فرحة شفا…
فرحة عدّاد.
عدّاد بيتحسب.

ليلتها، هالة قربت من ودني وقالت:
– كل حاجة جاهزة.
شنطة صغيرة، فلوس كاش، ومكان محدش يعرفه.

ابتسمت.
أول مرة أبتسم من قلبي من ساعة ما فوقت.

خرجت من المستشفى قبل ما يعرفوا.
تحويل مفاجئ بحجة استكمال علاج في مركز خاص.
ورق رسمي، توقيع، وكل حاجة ماشية تمام.

العربية طلعت بينا الفجر،
والمدينة ورا

ضهرنا بتصغر واحدة واحدة.
كنت حاسس إني بسيب عمري كله ورايا…
بس كنت مستعد.
عدّى أسبوع.

تليفوني القديم كان مقفول.
رقم جديد… حياة جديدة.

وبعدين…
المكالمة جت.

رقم غريب.
ردّيت.

صوت كريم.
بس مش صوت ابن…
صوت واحد مخنوق وغ*ضبان.

– إنت فين؟! إنت عملت إيه؟!

قلبي دق،
بس ما بانش.

– خير؟

صرخ:
– البيت! البيت اتسحب!
في حكم محكمة!
في واحده اسمها هالة مضت على توكيلات!
إنت لعبت علينا؟!

بصيت لهالة…
كانت واقفة ثابتة.

وقتها بس فهم.

هالة ما كانتش ست ضعيفة.
هالة كانت محامية…
وسكتت سنين.

قلتله بهدوء:
– أنا ما لعبتش عليك يا كريم…
أنا بس سمعت.

سكت.
سكون تقيل.

وبعدين سلمى دخلت على الخط، بتعيط:
– بابا… إحنا كنا بنهزر… والله…

ضحكت.
ضحكة طالعة من كسر قديم.

– الهزار بيبان يا سلمى…
خصوصًا لما يكون فوق سرير مو*ت.

قفلت الخط.
وطفيت الموبايل.

في المكان الجديد،
شقة صغيرة على البحر،
هادية، محدش يعرفنا.

كنت بنزل أمشي كل يوم،
أتعالج،
وأرجع أعيش من أول وجديد.

هالة كانت جنبي…
مش شفقة،
ولا واجب…
اختيار.

بعد شهور، وصلني خبر:
كريم

دخل في ديون.
سلمى رجعت تعيش عند حم*اتها.
ولا واحد فيهم سأل.

بس أنا؟
كنت بنام مرتاح.

لأن أصعب حاجة في الحياة مش إنك تمو*ت…
أصعب حاجة إنك تعيش
وتكتشف إن اللي ربيتهم
كانوا مستنيين مو*تك.

وساعتها…
يا إمّا تنكسر،
يا إمّا تختفي…
وتبدأ من جديد.

تمت

By 7777

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *