روايه نيوز حين يمرّ الحبّ خفيفًا… ويترك أثر العاصفة لم يكن الحب يومًا حدثًا صاخبًا كما تصوّره الحكايات القديمة، بل كان في حقيقته أشبه بمرور نسمة خفيفة في مساء صيفي هادئ؛ لا تُرى، لكن يُحَسّ أثرها في ارتعاشة القلب. هكذا بدأ كل شيء. لا اعترافات كبيرة، ولا وعود معلّقة في الهواء، فقط نظرة عابرة طالت أكثر مما يجب، وكأن الزمن توقّف عندها ليعيد ترتيب المشاعر من جديد. كانت تعرفه منذ زمن، أو هكذا ظنّت. وجوه كثيرة تمرّ في حياتنا دون أن ننتبه لها، حتى يأتي يومٌ نراها فيه بوضوح مفاجئ، كأن ضوءًا سريًا أُشعل فجأة في الزاوية المعتمة من الروح. لم يتغيّر شكله، ولم تتبدّل ملامحه، لكن شيئًا ما في طريقة صمته تلك الليلة جعل قلبها ينتبه. صمتٌ لا يشبه الغياب، بل يشبه الامتلاء. كان اللقاء عاديًا في شكله، استثنائيًا في أثره. حديث بسيط عن أشياء لا تُذكر، عن تفاصيل يومية مملة، عن قلقٍ مشترك لا اسم له. ومع ذلك، كانت الكلمات تسقط بينهما ببطء، كأنها تختبر الأرض قبل أن تستقر. لم يكن هناك اندفاع، بل تأنٍ جميل، وكأن كلاهما يخشى أن يفسد اللحظة إن أسرع أكثر مما ينبغي. الحب، حين يأتي متأخرًا، يكون أكثر حكمة. لا يركض، ولا يطالب، ولا يفرض نفسه. يقف على مسافة قريبة، يراقب، ينتظر الإشارة الصغيرة التي تقول: “الآن يمكنني أن أقترب”. وربما كان هذا ما جعله مختلفًا؛ أنه لم يطلب منها شيئًا، فقط كان حاضرًا. والحضور، حين يكون صادقًا، يكفي ليوقظ ألف شعور نائم. كانت تراقب تفاصيله دون وعي: طريقة نظره حين يفكّر، ابتسامته الخجولة التي تظهر فجأة وتختفي سريعًا، صوته حين ينخفض كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا أكبر من الكلام. وفي المقابل، كان يشعر بها حتى في صمتها، يفهم تغيّر نبرتها، ويقرأ ما بين الجمل التي لم تقلها. كان هناك تواطؤ جميل بين قلبين، اتفاق غير مكتوب على ألا يُسمّيا ما يحدث. لكن الحب لا يعيش طويلًا في المنطقة الرمادية. يأتي يوم ويطالب بتسمية نفسه، أو يرحل بصمت. وهذا ما أخافها. كانت تعرف أن الاقتراب أكثر يعني احتمال الخسارة، وأن التراجع الآن يعني خسارة مؤكدة. وبين الخوفين، اختارت الصمت، واختار هو الانتظار. مرت الأيام، وتكاثرت اللحظات الصغيرة. رسائل قصيرة بلا سبب، لقاءات عابرة تحمل أكثر مما تُظهر، ضحكات تنتهي بسرعة، وكأنها تخشى أن تفضح ما خلفها. كانت تشعر أن قلبها يكتب اسمه في كل مرة تحاول إنكار الأمر. وكان هو يشعر أن المسافة بينهما أقصر من أن تُحتمل، وأطول من أن تُكسر بسهولة. في إحدى الليالي، افترقا دون وداع حقيقي. لا خلاف، لا عتاب، فقط شعور غامض بأن شيئًا ما لم يُقل. عادت إلى بيتها محمّلة بأسئلة لا تنتهي: هل كان هذا حبًا؟ أم مجرّد وهم جميل؟ وهل بعض العلاقات خُلقت لتبقى معلّقة، لا تبدأ ولا تنتهي؟ أما هو، فوقف طويلًا في المكان ذاته، ينظر إلى الفراغ الذي تركته، ويتساءل إن كان الصمت شجاعة أم هروبًا. أدرك حينها أن بعض القصص لا تحتاج نهاية واضحة، لأنها تستمر في داخلنا، تعيش في الذاكرة، في الأغاني، وفي لحظات الشرود المفاجئة. بعد ذلك، لم ينقطع كل شيء تمامًا، ولم يكتمل أيضًا. بقايا حضور، إشارات خفيفة، كأن الحياة تترك بابًا مواربًا عمداً. ربما ليعود أحدهما يومًا ويقول ما لم يُقَل، أو ربما ليظل السؤال مفتوحًا، جميلًا، مؤلمًا. لأن بعض أنواع الحب لا تأتي لتُعاش كاملة، بل لتُغيّرنا فقط. ولأن هناك قلوبًا تلتقي لا لتبقى معًا، بل لتعلّم بعضها معنى الشعور الحقيقي… ثم تمضي. ويبقى السؤال معلّقًا في الهواء: هل كان هذا وداعًا مؤجّلًا؟ أم بداية تنتظر شجاعة اللحظة المناسبة؟ النهاية… لم تُكتب بعد. تصفّح المقالات كأننا لم نلتقِ»« أشباح الأعماق تنتشر… هل تقترب ساعة الصفر؟