. كأننا لم نلتقِ»« في أحد مقاهي وسط المدينة القديمة، حيث تختلط رائحة القهوة بصوت السيارات وذكريات المارّة، كانت ليلى تجلس كل خميس في نفس المكان، على الطاولة القريبة من الشباك. لم تكن تنتظر أحدًا تحديدًا، لكنها كانت تشعر أن هذا المكان يعرفها، وأن الوقت فيه يسير ببطء يشبه قلبها. في مساء شتوي عادي، جلس آدم على الطاولة المجاورة. شاب هادئ، يحمل كتابًا يبدو أنه قرأه أكثر من مرة. لم يحدث شيء استثنائي في تلك اللحظة، لا نظرات طويلة، ولا موسيقى في الخلفية، فقط صمتان متجاوران. لكن في الأسبوع التالي، كان آدم هناك مرة أخرى، وفي الأسبوع الذي يليه أيضًا. تبادلا التحية بلا قصد، ثم تبادلا الحديث بلا تخطيط. عن الكتب، عن المدينة، عن الأحلام الصغيرة التي لا يُضحك عليها أحد. كانت ليلى تعمل في الترجمة، تحب الكلمات لأنها تقول ما لا يجرؤ الناس على قوله. وكان آدم مهندسًا، يحب الصمت لأنه يخفي أكثر مما يكشف. لم يكن بينهما اندفاع، بل شيء أعمق وأهدأ. تعلّما بعضهما كما يتعلّم الإنسان مدينة جديدة: شارعًا شارعًا، دون استعجال. كانت ليلى تحب الطريقة التي ينصت بها آدم، وكأنه يخاف أن يضيع منها حرف. وكان آدم يرى في ليلى طمأنينة لم يعرفها من قبل، كأن صوتها مأوى. مرت الشهور، وأصبح الخميس موعدًا ثابتًا، ليس لأنهما اتفقا، بل لأن الغياب صار مستحيلًا. لم يتحدثا يومًا عن الحب، لكن كل شيء كان يدل عليه. النظرات، الصمت الطويل الذي لا يُحرج، الضحكة التي تأتي في وقتها تمامًا. ذات مساء، تأخرت ليلى عن موعدها. انتظرها آدم أكثر من ساعة، وعندما جاءت، كانت ملامحها مختلفة. جلست بصمت، ووضعت حقيبتها جانبًا، ثم قالت بهدوء مؤلم: “آدم… أنا مسافرة.” لم يسأل لماذا فورًا. أحيانًا يعرف الإنسان أن السؤال لن يغيّر الإجابة. بعد لحظة صمت، قال: “إمتى؟” “بعد شهر.” لم يكن شهرًا عاديًا. كان شهرًا مثقلًا باللحظات التي يحاولان فيها حفظ كل تفصيلة. جلسات أطول، أحاديث أعمق، وصمت أكثر وجعًا. لم يقولا “سننتظر بعضنا”، ولم يقولا “لن نفترق”. تركا الأشياء معلّقة، كأن الاعتراف سيجعل الفقد حقيقيًا أكثر مما يحتملان. في آخر خميس، كانت السماء تمطر. جلسا في نفس المكان. وضعت ليلى يدها على الطاولة، قريبة من يد آدم دون أن تلمسها. قالت: “أخاف أن أنسى صوتك.” ابتسم آدم ابتسامة صغيرة، وقال: “وأنا أخاف أن أسمعه في كل شيء.” لم يحدث وداع طويل. لا دموع علنية. فقط عناق قصير، صادق، كأنه اعتذار متأخر من الحياة. ثم غادرت ليلى، ولم تلتفت. مرت السنوات. لم يتواصلا. لم يكن قرار قطيعة، بل نوع من الاحترام الصامت لما كان بينهما. تزوج آدم لاحقًا، حياة مستقرة، بيت دافئ، لكنه كل خميس كان يمرّ قرب المقهى، دون أن يدخل. أما ليلى، فاستقرت في مدينة بعيدة، نجحت في عملها، صار اسمها معروفًا، لكن في حقيبتها دائمًا كتاب قديم، نفس الكتاب الذي كان يحمله آدم في أول لقاء. في يوم خريفي، عادت ليلى إلى المدينة في زيارة قصيرة. مرّت بالمقهى بلا تفكير، فقط بدافع الحنين. جلست على الطاولة القريبة من الشباك. طلبت قهوة، وانتظرت… لا أحد. على الطاولة المجاورة، كان هناك شاب يقرأ كتابًا. نفس الغلاف. نفس الطريقة. للحظة، توقف قلبها، ثم أدركت الحقيقة. ليس هو. نهضت، دفعت الحساب، وقبل أن تغادر، رأت على الحائط صورة قديمة للمقهى، التقطها أحد الزبائن قبل سنوات. في الصورة، كانت هي وآدم يجلسان جنبًا إلى جنب، بلا انتباه، بلا تصنّع، كأنهما لا يعرفان أن تلك اللحظة ستصبح كل شيء. ابتسمت ليلى بحزن، وقالت بصوت خافت: “كأننا لم نلتقِ… لكننا التقينا.” خرجت، وأغلق الباب خلفها، وبقيت القصة هناك، في مكان لا يشيخ، بين فنجان قهوة وذكرى لم تنتهى روايه نيوز تصفّح المقالات قصة العقد حين يمرّ الحبّ خفيفًا… ويترك أثر العاصفة