مزّق شيك طفلة متّسخة… ولم يعرف أنّها الوريثة الحقيقيّة للبنك!

في غوادالاخارا قد يبدو يوم ثلاثاء عادي كأنه مسرح مثالي لا ينتظر فيه أحد شيئا خارج المألوف أناس مستعجلون بدلات أنيقة قهوة في أكواب حرارية وهواء التكييف في الأماكن الفاخرة يلتصق بالجلد كأن البرودة شكل من أشكال السلطة.
كان فرع بنك لوميناريا أحد أكثر البنوك احتراما في غرب البلاد يفتح أبوابه منذ الصباح الباكر. هناك كان كل شيء يلمع أرضيات الرخام الزجاج الخالي من البصمات المكاتب كالمرايا. في ذلك معبد المال كان الناس يدخلون ويخرجون دون أن يرفع أحد رأسه كثيرا إلا إذا وصل شخص بمظهر مهم.
ولهذا حين انزلقت البوابة الآلية بصمت وظهرت فتاة صغيرة انثنت الرتابة كما ينثني الورق.
كانت في الحادية عشرة وربما الثانية عشرة. شعرها الكستنائي في فوضى عارمة علقت بين خصلاته أوراق صغيرة. كان وجهها يلمع بعرق جف فوقه الغبار ويداها تبدوان كأنهما حفرتا أنفاقا في الأرض. قميصها الأبيض صار مجموعة بقع من عشب وطين. أما حذاؤها الرياضيالذي كان يوما زهريا فاقعافأصبح لونا غير محدد بين البني والرمادي كأنه نجا من عاصفة.
كانت الفتاة تضم إلى صدرها حقيبة صغيرة مرسوما عليها كائنات خرافية ونجوم وفي داخلها مطويا بعناية ظرف واحد.
اسمها ماريانا فاسكيث. وكانت قادمة مباشرة من الحديقة التي تبعد شارعين فقط حيث قضت الصباح تلعب الغميضة بين الأشجار

وتصعد منزلقا ما يزال مبتلا بالمطر وتبني قلاعا من الرمل بالجدية التي يفعل بها الأطفال كل ما يهم حقا.
كان والداها في الخارج. رودريغو وإيلينا فاسكيث اضطرا للرد على مكالمتين عاجلتين. وقبل أن يفترقا عدلت إيلينا خصلة شعر ابنتها وابتسمت.
قالت لها ادخلي قليلا يا ماري. اجلسي قريبا وانتظرينا حسنا خلال خمس دقائق نكون معك.
قالت ماريانا بثقة نعم يا أمي كأن دخول بنك فاخر أمر عادي كالدخول إلى متجر لشراء عصير.
عبرت العتبة.
وفورا اخترقتها النظرات.
أولا فضولية. ثم حائرة. ثم منفرة على نحو صريح.
في إحدى النوافذ وخلفها موظفة ذات تسريحة مرتفعة وشفاه محددة بعنايةباتريسيادفعت زميلتها بمرفقها.
قالت هامسة وهي تكتم ضحكة انظري فقط من جاءت تتنزه.
لم تدر لورينا رأسها إلا قليلا ثم اتسعت عيناها وقالت يا إلهي كأنها خرجت من الجزيرة الوسطى للطريق.
تظاهرت ماريانا بأنها لم تسمع. أو ربما لم تعرف كيف تعالج الأمر. سارت نحو المنضدة المركزية حيث تنجز العمليات الخاصة وزبائن الدفاتر السميكة. أخذت نفسا عميقا كما علمتها جدتها حين يتملكها التوتر وتكلمت بصوت رقيق مهذب
لو سمحتم أريد إيداع شيك في حسابي.
كان خلف المنضدة مدير الفرع ماوريسيو سالاثار رجلا ببدلة زرقاء داكنة وساعة باهظة وابتسامة مدربة لا تصل إلى كونها ابتسامة. شعره ملتصق بالجل
ونظرته نظرة من يحدد قيمة الناس خلال ثلاث ثوان.
رفع ماوريسيو عينيه عن الشاشة تفحصها من قدميها إلى رأسها ثم أطلق ضحكة قصيرة بلا مواربة.
قال أنت تريدين إيداع شيك
أخرجت ماريانا الورقة من الظرف. كانت مجعدة قليلا لأنها سافرت في الحقيبة مع أقلام تلوين وبسكويتة. فردتها بعناية وقدمتها بكلتا يديها.
قالت نعم يا سيد. لحسابي. إنه هدية.
أخذها ماوريسيو بإصبعين كأن لمسها يثير الاشمئزاز. قربها من وجهه دون نية حقيقية للقراءة.
قال وما هذا كله متسخ. ثم نظر إليها مجددا وأضاف من أين حصلت عليه من القمامة
تعالت ضحكات خلفه. شعرت ماريانا بسخونة في وجنتيها.
قالت لا. كان في حقيبتي. أعطتني إياه جدتي بمناسبة عيد ميلادي.
ضحك ماوريسيو أعلى وقال جدتك حسنا. وكم يقول إنه
قرأه أخيرا فتغير التعبير دهشة ثم سخرية.
قال بصوت عال كأنه يروي نكتة خمسون ألف بيزو طبعا. اسمعي يا صغيرة هذا ليس دكانا. هنا لا نقبل الأوراق من هذا النوع. ولا من شخص مثلك.
قالت ماريانا وهي تبتلع ريقها إنه شيك حقيقي. أريد فقط حفظه في حسابي. أبي فتح لي الحساب منذ سنوات.
أمال ماوريسيو رأسه تمثيلا وقال أبوك وما اسم أبيك
توترت ماريانا من النبرة فأجابت سريعا كي لا تصمت رودريغو رودريغو فاسكيث.
انفجرت لورينا بالضحك من مكانها وقالت بلا حرج طبعا! وأنا صاحبة البنك.
ضحكات
أخرى. بعضها من الزبائن وبعضها من الموظفين. ضحكات بالغة من ذلك النوع الذي يظن الإذلال شكلا من أشكال النظام.
شدت ماريانا على حقيبتها بقوة وقالت أرجوك. هذا مالي. أنا لا ألعب.
لوح ماوريسيو بالشيك في الهواء كأنه خرقة مبللة وقال بتلك النبرة المتصنعة بالصبر التي يستعملها القساة ليشعروا بالتفوق اسمعي يا ماري اذهبي إلى بيتك. اغتسلي. ارتدي لا أدري شيئا لائقا. ثم عودي مع شخص بالغ. الأطفال لا يجرون إيداعات كبيرة.
شعرت ماريانا بحرقة في عينيها لكنها عضت لسانها. لم ترد أن تبكي هناك. ليس أمامهم.
همست حسنا.
نظر ماوريسيو إلى الشيك مرة أخيرة بازدراء ثم فعل شيئا لم يتوقعه أحد ولا حتى هو حين لم يقدر حجم غروره.
مزقه.
أولا نصفين. ثم أرباعا. ثم قطعا أصغر وهو يضحك وألقاها في سلة المهملات إلى جانب مكتبه.
قال كأنه حل مشكلة صغيرة تم. أزيلت المشكلة.
ساد الصمت في البنك لثوان.
ثم ارتدت بعض الضحكات عن الجدران. ليست كلها لكن ما يكفي ليشعرت ماريانا بأن الأرض تنفتح تحت قدميها.
ابتلعت دموعها أمسكت حقيبتها وخرجت مسرعة.
في الخارج كان رودريغو وإيلينا ما يزالان ممسكين بالهواتف عالقين في مكالماتهما. أسندت ماريانا ظهرها إلى زجاج الواجهة البارد وتنفست كأن الهواء شحيح.
لم تقل شيئا فورا. أحيانا يخفي الأطفال ما يؤلمهم ظنا أن إخفاءه يجعله أقل واقعية.
لكن في السيارة في طريق العودة

نظرت إيلينا إليها في المرآة فعرفت. الأمهات يعرفن قبل أن تولد الكلمات.
قالت حبيبتي هل حدث شيء في الداخل
شدت ماريانا شفتيها. صمدت دقيقة. دقيقتين. ثم خرجت الجملة صغيرة ضحكوا علي.
عبس رودريغو وهو يقود وقال من
قالت موظفو البنك قالوا إني متسخة. والرجل المدير مزق شيك جدتي نورا.
انحرفت السيارة إلى جانب الطريق كأن حبلا شدها. كبح رودريغو بهدوء لكن بغضب. استدارت إيلينا كليا في مقعدها وقالت وصوتها كالزجاج مزقه
أومأت ماريانا. ولم تعد قادرة على حبس دموعها. لم يكن بكاء صاخبا كان بكاء الخزي وهو أقساه.
قالت ألقاه في القمامة كأنه لا يهم.
ظل رودريغو صامتا ثواني ويداه على المقود وعقدتاه بيضاوان.
قال أخيرا لا يعلمون مع من تورطوا.
لم تفهم ماريانا تلك العبارة. كل ما شعرت به كان ثقل الظلم.
لكن ما لم يكن يعرفه أحد في ذلك الفرع هو هذا
ماريانا فاسكيث لم تكن فتاة عادية.
في الوثائق الأكثر سرية في بنك لوميناريا كان واحد وخمسون بالمئة من الأسهم مسجلا باسمها منذ ولادتها. لم يكن والداها زبائن مهمين. كانا مؤسسين. مالكين. الناس الذين أقاموا البنك من الصفر.
ومع ذلك نشأت ماريانا بلا حراسة بلا ملابس علامات تجارية بلا فقاعة تحيط بعالمها. كان رودريغو قد ولد في حي متواضع. وكانت إيلينا من عائلة ثرية لكنها كانت تكره التفاخر. وقد عقد الاثنان

عهدا حين ولدت ابنتهما لتكن طفلة لا واجهة ولا كأسا يعرض.

By 7777

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *