اتّصل ابني وقال: «بِعتُ المنزل وسحبتُ أموالك» ضحكتُ لأنّه لم يكن يعرف الحقيقة

اسمي روزا مارتينيز أبلغ من العمر أربعا وسبعين سنة ولم أكن أتخيل يوما أن مكالمة هاتفية من ابني نفسه ستجعلني أضحك في أسوأ لحظة من حياتي.
في ذلك الصباح وبينما كنت أعد القهوة رن الهاتف. كان المتصل خافيير ابني الوحيد. جاء صوته متسارعا يكاد يكون ظافرا.
قال
أمي سأتزوج غدا. لقد سحبت كل المال من حساباتك البنكية وبعت المنزل. كل شيء مرتب. وداعا.
ثم أغلق الخط من دون أن ينتظر ردي.
بقيت صامتة بضع ثوان وأنا أمسك بسماعة الهاتف. ثم وعلى غير ما توقعت حتى من نفسي ضحكت. لم تكن ضحكة سعادة بل لأنني في تلك اللحظة فهمت أمرا واحدا بوضوح تام كان خافيير يعتقد أنه انتصر من دون أن يعلم أنه كان مخطئا تماما.
على مدى سنوات أظهر ابني نفاد صبر واضحا تجاه كل ما يتطلب انتظارا. كان يريد نتائج سريعة ومالا سهلا واعترافا فوريا. ومنذ أن تعرف إلى خطيبته كلوديا ازداد سلوكه سوءا. لم يكن يتواصل معي إلا عندما يحتاج إلى شيء. أما أنا فكنت أراقب وأصمت وأدون كل شيء في ذهني.
ما لم يكن خافيير يعلمه أن المنزل لم يكن في الحقيقة ملكا لي. من الناحية القانونية كان مسجلا باسم شركة عائلية لإدارة الأملاك أنشئت بعد وفاة زوجي وتتضمن بنودا واضحة لا لبس فيها. كان لي حق الانتفاع بالمنزل مدى الحياة لكن لم يكن لي الحق في بيعه من دون موافقة صريحة من مجلس الإدارة.
وذلك المجلس لم يكن خافيير أحد أعضائه.
كما أنه لم يكن يعلم أن الحسابات البنكية التي ظن أنه أفرغها كانت محمية بنظام

توثيق مزدوج لدى كاتب عدل فعل قبل سنوات عندما بدأ يظهر سلوكات مالية مقلقة.
في تلك الأمسية نفسها تلقيت اتصالا من البنك. كان مدير الفرع متوترا وأبلغني بوجود تحركات مالية مشبوهة ومحاولة بيع عقار قيد التنفيذ. طلبت منه أن يجمد كل شيء فورا وأن يعد تقريرا كاملا ومفصلا.
أغلقت الهاتف بهدوء. كنت أعلم أن الزفاف سيكون في اليوم التالي. وكنت أعلم أن خافيير يعتقد أنه رتب كل شيء. وكنت أعلم أيضا أنه عندما تنكشف الحقيقة ستكون الصدمة قاسية.
في صباح اليوم التالي وبينما كان خافيير يستعد لحفل زفافه كنت جالسة في مكتب أنيق في وسط مدينة مدريد. أمامي كان يجلس كاتب عدل ومحام مختص بالعقارات ومدير البنك. كانوا يراجعون الوثائق واحدا تلو الآخر. كل شيء كان واضحا. كل شيء كان مسجلا. وكل شيء كان محميا.
اتضح أن البيع المزعوم للمنزل باطل قانونا وقد أبلغ المشتري بذلك فورا. أما الأموال التي سحبت من الحسابات فلم يكن بالإمكان تحويلها أو استخدامها. والأهم من ذلك أن الشركة العائلية فعلت تلقائيا بندا قانونيا بسبب محاولة الاستيلاء غير المشروع.
عند الساعة الحادية عشرة صباحا تلقيت أول اتصال يائس من خافيير. كان الهاتف يرن بإلحاح كأن الصوت نفسه يحمل ارتباكه. نظرت إلى الشاشة قرأت اسمه ثم وضعت الهاتف جانبا بهدوء. لم أجب.
لم يكن ذلك تجاهلا قاسيا بل كان صمتا مقصودا صمت من يعرف أن بعض الكلمات لا تقال في لحظة الفوضى وأن الحقيقة تحتاج إلى توقيت دقيق.
وعند الحادية عشرة

والنصف اتصلت كلوديا. كان بكاؤها واضحا حتى قبل أن أرفع السماعة. لم أجب أيضا. أدركت أنها لم تكن تبحث عن حل بل عن مخرج سريع عن أحد يحمل عنها ثقل ما بدأ ينهار. لكنني لم أكن ذلك المخرج.
وعند الساعة الثانية عشرة تماما وردني اتصال من محامي خافيير يطلب اجتماعا عاجلا. هذه المرة لم أتردد. وافقت على اللقاء لأن الأمور عندما تصل إلى المحامين فهذا يعني أن مرحلة الإنكار قد انتهت وبدأت مرحلة الحساب.
وافقت لكنني لم أذهب وحدي. رافقتني محاميتي إيلينا روبليس امرأة هادئة الملامح حادة العقل لا ترفع صوتها لأنها تعرف أن القانون لا يحتاج إلى صراخ.
عندما دخل خافيير قاعة الاجتماع كدت لا أتعرف إليه. كان وجهه شاحبا وعيناه قلقتين وقد اختفى تماما ذلك التعالي الذي اعتدت رؤيته فيه. لم يبق منه سوى رجل خائف أدرك متأخرا أنه لم يكن يمسك بالخيوط كما ظن.
بدأ بالكلام فورا بلا تحية. اتهمني بالخيانة وبالتلاعب وبأنني دمرت أهم يوم في حياته. قال إنني كنت أما قاسية وإنني خططت لكل شيء لإذلاله. تركته يتكلم. لم أقاطعه. كنت أستمع إليه كما يستمع المرء إلى شخص يسمع صدى أفعاله للمرة الأولى.
حين انتهى ساد صمت ثقيل.
عندها تحدثت إيلينا نيابة عني. بصوت واضح بلا انفعال بدأت تشرح الوثائق واحدة تلو الأخرى. شرحت بنود الشركة العائلية وحق الانتفاع ونظام الحماية البنكية والنتائج القانونية المترتبة على محاولة الاستيلاء غير المشروع. كانت الكلمات دقيقة كأنها تغلق الأبواب بابا

بابا أمام أي أمل واه.
اتضح بجلاء أن خافيير لم يكن قد ربح شيئا بل إنه أصبح الآن مهددا بمساءلات قانونية حقيقية. عند تلك النقطة خفت صوته وانحنى كتفاه قليلا كأن الحقيقة أثقل مما يستطيع حمله.
عندها فقط تكلمت.
قلت له جملة واحدة لم أحتج بعدها إلى إضافة شيء
لم أسلبك شيئا. أنا فقط منعتك من أن تسلبني.
لم أرفع صوتي. لم أبد شماتة. كانت الحقيقة كافية بذاتها.
في تلك الأمسية نفسها ألغي الزفاف. طالبت قاعة الحفل بمستحقاتها. غادر الضيوف في حيرة لا يعرفون ما الذي حدث ولا لماذا انتهى كل شيء فجأة. انقسمت العائلة بين من لامني ومن التزم الصمت. أما أنا فعدت إلى منزلي بهدوء كامل كأنني أغلقت فصلا طويلا من حياتي.
مر عامان كاملان منذ ذلك اليوم الذي انقلبت فيه حياتي على نحو لم أكن أتوقعه ولا أكاد أتخيله قبل وقوعه. خلال هذين العامين خفت الأصوات وهدأت العواصف واستقرت الأمور على صورة جديدة لم تكن مألوفة لي من قبل. لا يكاد يكون بيني وبين خافيير أي تواصل يذكر ليس لأنني أغلقت قلبي في وجهه ولا لأن الكراهية سكنتني بل لأن المسافة أحيانا تكون أصدق أشكال الحماية.
لا أحمل له حقدا ولا أتمنى له سوءا ولا أستيقظ يوما وأنا أفكر في الانتقام أو في استعادة ما حدث. لقد تجاوزت تلك المرحلة منذ زمن. لكنني تعلمت درسا قاسيا جاء متأخرا وربما كان ثمنه باهظا إلا أنه كان ضروريا كي أستمر بسلام.
تعلمت أن الحب مهما كان عميقا ومتجذرا في القلب لا يبرر أبدا السماح بالإساءة ولا يفرض علينا أن نقبل الظلم تحت أي

مسمى سواء كان القربى أو العاطفة أو الذكريات المشتركة. هناك لحظات في حياة الإنسان يصبح فيها وضع الحدود فعل نجاة لا فعل قسوة واختيارا للحياة لا تخليا عن الآخرين.
بعد تلك الأحداث اتخذت قرارات لم أكن أظن يوما أنني سأمتلك الشجاعة لاتخاذها. بعت حق الانتفاع بالمنزل الذي عشت فيه سنوات طويلة والذي شهد أفراحا وأحزانا وذكريات لا تحصى وانتقلت إلى شقة صغيرة بسيطة مريحة وهي لي وحدي.
لم تكن الشقة فخمة ولا تطل على مناظر خلابة ولا تحمل أي مظاهر ترف. لكنها كانت تحمل شيئا أثمن من ذلك كله الإحساس بالاستقلال وبأنني أعيش وفق إيقاعي الخاص لا وفق توقعات الآخرين.
أعيش فيها اليوم ببساطة مقصودة. أرتب أيامي على مهل من دون استعجال ومن دون شعور بأنني مدينة لأحد بشيء. أعد قهوتي كما أحب وأجلس قرب النافذة في الصباح أفتحها على ضوء النهار وأتنفس دون خوف أو توتر. في هذا المكان الصغير تعلمت أن السلام الحقيقي لا يأتي من كثرة ما نملك بل من وضوح ما نقبل به وما نرفضه ومن قدرتنا على احترام أنفسنا قبل أي شيء آخر.
هذه القصة في جوهرها لا تتعلق بالانتقام ولا بتصفية حسابات

عائلية ولا بإثبات من كان على حق ومن كان على خطأ. إنها قصة عن التحسب وعن الوعي الذي يأتي أحيانا متأخرا لكنه حين يأتي يغير كل شيء.
هي قصة عن فهم عميق أن حماية النفس لا تعني انعدام الثقة بالآخرين بل تعني تحمل مسؤولية الذات وصون الكرامة وعدم السماح بتجاوز الحدود مهما كانت الأعذار.
لم أتصرف يومها بدافع الغضب ولا بدافع الرغبة في العقاب أو الإيذاء ولم يكن في قراري نزعة انتقام أو محاولة لإثبات القوة. ما حركني حقا كان ذلك الوضوح الذي لا يأتي فجأة بل يتشكل ببطء بعد سنوات طويلة من الصمت والمراقبة والتفكير العميق. وضوح يجعل الإنسان قادرا على رؤية الأمور كما هي في حقيقتها لا كما كان يتمنى أن تكون ولا كما اعتاد أن يبررها لنفسه خوفا من المواجهة.
ذلك الوضوح لا يكون قاسيا بقدر ما يكون صادقا. إنه لحظة نادرة يصل إليها الإنسان بعد طول إنكار حين يدرك أخيرا أن التغاضي المتكرر لا ينقذ العلاقات كما كنا نأمل وأن التساهل الدائم لا يصنع سلاما حقيقيا بل يؤجل الانفجار ويؤخر المواجهة إلى وقت تكون فيه الخسائر أكبر. في تلك اللحظة تتكشف الحقيقة بلا أقنعة بعض الصبر
ليس نبلا وبعض التحمل ليس رحمة وبعض الصمت ليس حكمة.
عندها فقط يصبح القرار نابعا من العقل لا من الجرح ومن الحرص على النفس لا من الرغبة في الإدانة أو العقاب. قرار لا يتخذ في لحظة غضب ولا تحت ضغط الألم بل بعد أن تهدأ العاصفة ويصفو الداخل ويعاد ترتيب الأولويات. هو قرار يشبه الوقوف أمام المرآة بصدق كامل والاعتراف بأن الاستمرار في الخطأ لم يعد فضيلة وأن حماية الذات ليست أنانية.
تعلمت أيضا أن الصمت ليس دائما ضعفا وأن السكوت لا يعني العجز أو الاستسلام كما يظن كثيرون. أحيانا يكون الصمت أعلى أشكال الوعي وأصدق تعبير عن السيطرة على الذات. يكون اختيارا واعيا لا هروبا وهدوءا نابعا من الفهم لا من الخوف. هو خطوة محسوبة لا ترددا ومساحة نلتقط فيها أنفاسنا قبل أن نقرر كيف نمضي ومع من وإلى أي حد نسمح للآخرين بالاقتراب من حدودنا الشخصية.
في هذا الصمت نتعلم أن نصغي إلى أنفسنا بعد أن طال انشغالنا بإرضاء الآخرين. نراجع ذواتنا بصدق نعيد تعريف ما نحتاجه فعلا وما نستحقه وما لم نعد مستعدين لتحمله مهما كانت الأعذار ومهما بدا التخلي مؤلما في بدايته.
الصمت في
بعض اللحظات يكون وسيلة لحماية النفس من الاستنزاف المستمر ومنح العقل فرصة لترتيب الحقيقة بعيدا عن الضجيج وعن الأصوات التي تحاول أن تربكنا أو تدفعنا لاتخاذ قرارات لا تشبهنا ولا تعبر عن قيمنا. هو وقت داخلي نعيد فيه بناء توازننا ونفصل بين ما هو واجب أخلاقي وما هو استنزاف عاطفي متخف في صورة التزام.
وإن سبق لأحد أن ظن أن له الحق في أن يقرر عنك أو أن يتحكم في حياتك أو ممتلكاتك أو اختياراتك من دون إذنك فتذكر هذه الحقيقة البسيطة التي تعلمتها بعد عمر طويل من التجربة
الصمت أيضا قد يكون استراتيجية حين يكون مقرونا بالحكمة والمعرفة لا بالخوف أو العجز.
إنه الصمت الذي يسبق الحسم ويهيئ للقرار لا الصمت الذي يدفن الألم ويطيل أمده.
وإن جعلتك هذه القصة تتأمل أو أيقظت في داخلك سؤالا كنت تؤجله خوفا من الإجابة أو دفعتك إلى مراجعة موقف تعيشه الآن في صمت فشاركها مع غيرك.
فأحيانا تجربة واحدة صادقة تروى في وقتها وبصدقها الكامل قد تكون الضوء الذي يساعد الآخرين على فتح أعينهم قبل فوات الأوان وقبل أن يدفعوا ثمنا كان يمكن تجنبه لو وضعت الحدود في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة.

By 7777

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *