لما عرفت نتائج التحاليل بتاعتي، قررت أطلب مجرد مساعدة “50 ألف جنيه”. مبلغ المفروض إنه “بسيط”. اتصلت ببابا وماما الأول. ردوا من تاني رنة، صوتهم كله نشاط لما شافوا رقم “الدكتورة”. دايمًا كانوا فخورين بيا: “بنتنا الدكتورة سلمى اللي بتعمل عمليات قد كده”. ده كان “البرستيج” بتاعهم في العزومات. ماجبتش سيرة مرضي في الأول. قلتلهم إني بمر بظروف ومحتاجة سيولة ضروري. قلت بهدوء: “محتاجة 50 ألف جنيه سلفة ليومين”. ساد الصمت. سمعت صوت وشوشة ورق من ناحيتهم. أمي اتنهدت. وبعدين بابا قال ببطء: “غريبة يا بنتي.. أنتي عارفة فلوسنا مربوطة ودايع.. وبعدين ما شاء الله عيادتك شغالة، أكيد دي أزمة بسيطة”. أنا “دكتورة سلمى”، عمري 39 سنة، استشارية جراحة وليا اسمي في السوق. قضيت سنين عمري بين المستشفيات والعمليات. كنت لسه مؤمنة إن “البالطو الأبيض” والعلم يقدروا يحموني من غدر الجسم. كنت رايحة أعمل فحوصات دورية عادية عند زميل ليا. قعدت في عيادته، إيدي مشبكة بهدوء في حجري، وهو بيشرح نتايج التحاليل بنبرة مهنية محفوظة عندي. اتكلم عن الخيارات والاحتمالات وعن البروتوكول العلاجي. وبمنتهى اللطف ضاف جملة: “بحكم شغلك وعلمك يا دكتورة سلمى، أكيد أنتي فاهمة الحالة ومضاعفاتها، وعارفة يعني إيه نكون جاهزين لكل السيناريوهات”. هزيت راسي.. طبعًا فاهمة. بعدها روحت البيت بدل ما أروح عيادتي. كنت محتاجة هدوء… الهدوء اللي ما بلاقيهوش غير جوه بيتي. البيت اللي تعبت وسهرت ليالي نبطشيات عشان أشتريه. بيتي مكنش فيلا في الساحل، كانت شقة واسعة في حي راقي بالقاهرة، اشتريتها من تعبي وشقايا لما كنت لسه صغيرة. سددت تمنها بانتظام. مفيش ديون، مفيش دوشة. دي الحاجة الوحيدة اللي بملكها بجد بعيد عن ضغط الشغل. في الليلة دي، قعدت على ترابيزة المطبخ قدام كوباية قهوة بردت، وفتحت نوتة صفرا. ماكتبتش “وصية” لسه.. كتبت بس “أسماء”: أبويا وأمي، أخويا حازم، وأختي هناء. فضلت باصة للقائمة دي وقت طويل. في الطب اتعلمنا إن الوقاية خير من العلاج، وإننا لازم نتوقع المضاعفات قبل ما تحصل. نكتب ونخطط مش عشان متشائمين، لكن عشان دي “أمانة”. ومع ذلك، ترددت. مكنتش عايزة أسيب ورايا لغبطة أو ندم. كنت عايزة أعرف – قبل ما أكتب أي ورقة رسمي – مين فيهم هيقف جمبي بجد. اللي بعده كان حازم أخويا. رد وهو سايق عربيته، وصوت الأغاني عالي ورايق: “دول الـ 15 ألف يا سلمى.. والله لو كان معايا أكتر مكنتش اتأخرت. قوليلي يا حبيبتي، إيه المشكلة؟ ديون؟ شيكات؟ متخافيش، هنحلها سوا”. هزيت راسي بالنفي، ودمعة جديدة نزلت: “لأ.. أنا كنت محتاجة أعرف مين عيلتي بجد قبل ما أدخل أوضة العمليات. أنا عندي ورم يا هناء.. والعملية كبيرة ومحتاجة وقت وعلاج طويل”. المحامي جاب معاه الأوراق اللي طلبتها. بصيت للسطور المكتوبة.. وصيتي. كل حاجة اتغيرت فيها. شطبت الأسماء اللي كانت مجرد “فرض” عليا بحكم الدم، وكتبت الاسم الوحيد اللي استحق يبقى موجود بحكم “القلب والمواقف”. بعدها، هناء دخلت في حياتي بشكل مختلف. ماقاطعنيش، مابدأتش تسأل عن تفاصيل الفلوس أو الضمانات، كانت موجودة جنبي في كل لحظة. حضنتني، وبقيت تمسح دموعي، وتضحكني لما أحتاج أضحك. الفلوس كانت مجرد وسيلة… لكن الدعم الحقيقي كان حضن أختي، وجودها الحقيقي جنبي. بابا وماما وحازم كانوا بيتصلوا مكالمات قصيرة، رسمية. “عاملة إيه يا دكتورة؟ شدي حيلك.. إن شاء الله بسيطة”. كانوا بييجوا زيارات خاطفة، يقعدوا ربع ساعة متوترين، يبصوا في الساعة، ويمشوا بحجة الزحمة أو الشغل. كانوا بيتعاملوا مع مرضي كأنه إحراج اجتماعي، مش محنة بنتهم بتمر بيها. يوم قبل العملية الكبيرة بيومين، كنت قاعدة في سريري، وهنا نايمة على الكرسي جنبي من التعب. هناء كانت معايا في كل جلسة كيماوي، في كل لحظة ألم، كانت بتطبخ، وتنضف، وتمسح دموعي، وتضحكني لما أحتاج أضحك.: العيادة بأجهزتها، الشقة الشيك في الحي الراقي، حساباتي في البنك، وعربية الـ BMW اللي حازم كان هيموت عليها… كل ده اتكتب باسم هناء. كتبت لبابا وماما مبلغ شهري يضمن لهم حياة كريمة عشان ميزعلوش، وكتبت لحازم رسالة قصيرة مع مبلغ رمزي: “عشان متبقاش محتاج سلفة من حد وتفتكره بيهزر”. لما المحامي مشي، حسيت براحة غريبة. الورم اللي في جسمي الدكاترة هيشيلوه، بس الورم الحقيقي اللي كان في حياتي… ورم العلاقات المزيفة… أنا استأصلته بإيدي النهارده. دخلت أوضة العمليات وأنا ماسكة إيد هناء لحد باب التعقيم. كنت خايفة من المشرط، بس مكنتش خايفة من الوحدة. عرفت إن “العيلة” مش هي الناس اللي ليهم نفس اسمك في البطاقة… العيلة هما الناس اللي بيظهروا لما النور يقطع، ولما القوة تروح، ولما “الدكتورة الكبيرة” ترجع تاني مجرد إنسانة ضعيفة محتاجة طبطبة. هناء كانت هي وصيتي الحقيقية، وهي ورثي اللي طلعت بيه من الدنيا دي. كتبت لكل حاجة اسمها… كل ممتلكاتي اللي تعبّت وسهرت عشانيها، كل الفلوس والحاجات المادية، وكلها تحت اسم هناء. في اللحظة دي، حسيت إني أغنى واحدة في الدنيا، وحسيت كمان إني أصغر واحدة في الدنيا، لأن قلبي كان أخيرًا عارف مين واقف جمبي بجد. تصفّح المقالات قصة الزوجة الصامته اتّصل ابني وقال: «بِعتُ المنزل وسحبتُ أموالك» ضحكتُ لأنّه لم يكن يعرف الحقيقة