الخادمة اللي ما بكت بعد الصفعة… قلبت القصر رأسًا على عقب! تهبط الصفعة بصوت جاف قاس لا يليق ببيت بهذا الجمال. تشعر بها في أسنانك أكثر مما تسمعها بأذنيك يتردد صداها بين الرخام والزجاج كأن القصر نفسه يستنكر ما حدث. لثانية معلقة في الهواء يتجمد كل شيء ضوء الثريا سكون الهواء الفاخر حتى النافورة خلف النوافذ العالية. تقف أوليفيا هيرنانديز بثوب أزرق فاقع يبدو كأنه صمم ليعكس الضوء وعيناها تشتعلان بغضب مترف كأن الغضب ترف تستطيع اقتناءه. كفها ما يزال قريبا من خدك دافئا من أثر الضـ,ـربة كأنها قد تضـ,ـربك ثانية فقط لتؤكد قدرتها على ذلك. تثبت الصينية الفضية في يديك فيما ينزف فنجان خزفي محطم شايه فوق سجادة فارسية قد يساوي ثمنها أكثر من سيارتك الأولى. موظفان قديمان يحدقان بك كأنهما يشاهدان عاصفة تبتلع إنسانا حيا. وفي منتصف الدرج الحجري المنحني يتوقف دون ريكاردو ساليناس في مكانه وقد شد عدم التصديق ملامحه إلى شيء نادر الحيرة. تحافظين على وقفتك رغم أن جلدك يتوسل إليك أن ترتجفي. أصابعك ترتعش لكنك لا تسمحين للصينية أن تميل لأنك تعلمت مبكرا أن اهتزازا صغيرا يتحول ذريعة جاهزة لمن مثل أوليفيا. تقترب منك وصوتها حاد يكاد يشق الحرير. أنت محظوظة لأنني لا أطردك الآن فورا تهمس وعيناها تهبطان إلى قطرات الشاي الصغيرة على فستانها كأنها دم. تسألك إن كنت تعلمين كم يساوي هذا الثوب والسؤال ليس عن المال بل عن الهيمنة. يخفق نبضك خلف أضلاعك لكن صوتك يبقى هادئا شبه لطيف. تقولين أنا آسفة يا سيدتي. لن يتكرر ذلك. يلتوي فم أوليفيا بقسوة مدربة لدى من يستمتع بتحويل الأخطاء إلى رياضة. هذا ما قالته آخر خمس خادمات قبل أن يخرجن باكيات ترد بحدة. ربما علي تسريع خروجك. يقطع صوت دون ريكاردو المشهد منخفضا ومشدودا. أوليفيا. يكفي. تلتفت نحوه كأنها نار وجدت أكسجينها وقد انتعشت فجأة بفرصة أداء الغضب أمام جمهور أهم. يكفي تكرر باستهجان مسرحي. ريكاردو هذه الفتاة غير كفؤة مثل غيرها. يتجنب الموظفون الأكبر سنا النظر لأنهم رأوا هذا المشهد يتكرر لسنوات ويعرفون كيف ينتهي. تلتزمين الصمت لأن الصمت درعك فبمجرد أن تدافعي عن نفسك ستحول أوليفيا الجدال إلى تسلية. يشتد فك دون ريكاردو كأنه يعض كلمات تراكمت طويلا. ينظر إليك ثم إلى الفنجان المكسور ثم إلى أوليفيا كأنه بدأ يلاحظ نمطا كان يضعه دائما تحت مسمى سوء الحظ. يلسع خدك الألم لكن ما يؤلم أكثر هو اليقين في عيني أوليفيا بأنها تملك النهاية. تبتلعين حرارة حلقك وتركزين على ألا تمنحيها لذة رؤيتك تنكسرين. لاحقا يتحول المطبخ إلى خلية همسات وتحذيرات. تلمعين أدوات المائدة على المنضدة الطويلة من الفولاذ فيما يتحدث الآخرون بأصوات منخفضة تتأرجح بين الشفقة والخوف. تميل دونيا ماريا مدبرة المنزل قريبا بما يكفي لتشمي صابون الخزامى. أنت شجاعة يا ابنتي تهمس وعيناها تتلفتان نحو الممر كأن أوليفيا قد تظهر كطيف. رأيت نساء ضعف حجمك يغادرن بعد إحدى نوباتها. لماذا ما زلت هنا السؤال صادق لكنه يحمل رجاء غير معلن ارحلي ما استطعت. تدعين الشوكة الفضية في يدك تلتقط الضوء وتحافظين على تعبير محايد. لأنني لم آت إلى هنا فقط للتنظيف تقولين بهدوء. تعبس دونيا ماريا تحاول قراءتك تحاول أن تقرر إن كنت متهورة أم يائسة. لا تشرحين لأن الشرح يصبح ورقة ضغط في الأيدي الخطأ. بدلا من ذلك تصفين الفضيات بعناية كأن السيطرة تبنى قطعة صغيرة بعد أخرى. في الطابق العلوي خلف باب الجناح الرئيسي الثقيل يرتفع صوت أوليفيا وينخفض كالسوط. لا تسمعين كل الكلمات لكنك تعرفين الإيقاع شكاوى تشحذ لتصير اتهامات وإهانات تلبس ثوب المعايير. يجيب دون ريكاردو أقل مما ينبغي جواب رجل سئم أن يقال له إنه مخطئ في بيته. سمعت قصص هذا القصر قبل وصولك خادمات صمدن أسبوعا يوما أحيانا ساعات. بعضهن غادرن غاضبات بعضهن باكيات وبعضهن خرجن وكرامتهن مجروحة إلى حد العجز عن شرح السبب. ومع ذلك قبلت الوظيفة وأنت تعلمين أنها قد تلتهمك. لم تأت من أجل وجاهة الخدمة في قصر ولم تأت لأنك تستمتعين بأن تكوني هدفا. أتيت لأنك تحتاجين إلى الوصول إلى الحقيقة المخبوءة خلف هذا الرخام والمال. ولأنك تشكين في مكان ما وسط هذا الفوضى أن أوليفيا ليست قاسية فحسب بل خائفة. تستيقظين قبل الفجر حين يتظاهر القصر بالسلام. مساكن الموظفين ساكنة سكون من ينامون لأنهم منهكون عن الاستمرار في القلق. تتحركين في البيت الكبير والسماء خارجا بلون الأشياء غير المنطوقة. في المكتبة تمسحين غبار كتب لا يقرؤها أحد تلاحظين ما لمس حديثا وما هو للزينة فقط. في الممر تلمعين إطارات الصور الفضية تتظاهرين بأنها مجرد صور فيما تحفظين الوجوه والتواريخ والفجوات الدقيقة حيث تحركت الإطارات. تتعلمين البيت كما يتعلم رسام الخرائط التضاريس لا للراحة بل للاستراتيجية. الخدعة تذكرين نفسك ليست أن تتجاوزي قسوة أوليفيا بالسرعة بل أن تتجاوزيها بالثبات. إن أرادت ردة فعل ستمنحينها إتقانا. وإن أرادت دموعا ستمنحينها هدوءا. وإن أرادتك أن ترحلي ستجعلين تبرير ذلك مستحيلا دون أن تفضح نفسها. على مائدة الإفطار تجوب أوليفيا غرفة الطعام كقاضية تبحث عن متهم لتعاقبه. تفحص ترتيب الطاولة باستياء مبالغ فيه وتنقر شوكة كأنها أساءت إليها شخصيا. الأسنان إلى اليسار تقول بصوت عال محدقة بك. هل هذا صعب تصححين دون رمشة تضعين كل قطعة بدقة هادئة شبه أنيقة. نعم سيدتي تجيبين رغم أن التصحيح تافه وهي تعلم ذلك. تميل أوليفيا وعطرها ثقيل وحاد وتبدين خيبة أملها لأنها لم تجعلك ترتجفين. تظنين نفسك ذكية تهمس. ستنكسرين. كلهن ينكسرن. تثبتين نظرك في عينيها لثانية واحدة متزنة ثم تخفضين عينيك إلى عملك لا خضوعا ولا تحديا بل سيطرة. تلك السيطرة تثيرها أكثر من أي خطأ لأنها تعني أنك لست ملكها. تصير الأيام أسابيع وهدوؤك يبدأ يبدو مشكلة لا تستطيع أوليفيا حلها. تسبقين طلباتها دون أن تجعلي الأمر استعراضا. يصل قهوتها بالحرارة التي تحبها تماما ساخنة بما يكفي لتهدئة غرورها لا ساخنة بما يزعج فمها. تكوى فساتينها قبل أن تتذكر المطالبة بذلك ترتب مجوهراتها بالترتيب الذي تفضله تلمع أحذيتها حتى تعكس وجهها. كل كمال صغير يسحب ذريعة أخرى من نوبات غضبها ويمكنك أن تشعري بها تبحث عن سبب جديد لتضـ,ـرب. يبدأ الموظفون ينظرون إليك بمزيج إعجاب ورهبة لأن بقاءك يجعلهم يأملون ويقلقون في آن. يلاحظ دون ريكاردو ذلك أيضا وإن تظاهر بعدم الاكتراث. في إحدى الليالي وهو يمر في الرواق تسمعينه يهمس لدونيا ماريا لقد أمضت أكثر من شهر. يحمل صوته دهشة هشة. هذا رقم قياسي. تلوح أوليفيا بالأمر حين يذكره لكن شدة شفتيها تكشف كرهها له. كلما طالت إقامتك تعلمت أنماط أوليفيا. تلاحظين كيف تتصاعد قسوتها كلما بدا دون ريكاردو مرهقا كأنها تعاقبه عبر الموظفين لأنها لا تستطيع التحكم بمزاجه مباشرة. تتعلمين أن فعالياتها الخيرية غالبا ما تكون مفاجئة دائما عاجلة وغريبة التناقض مع الصورة العامة التي تؤديها. تسمعين مكالماتها الليلية خلف الأبواب همسات سريعة متوترة تتوقف فور مرور أحد. تلتقطين رائحة خفيفة عليها عند عودتها كولونيا لا تخص البيت باهظة وغير مألوفة. وتلاحظين أيضا ما تتجنبه. تتجنب مكتب الأمن. تتجنب كاميرات الجناح الشرقي. تتجنب دراسة دون ريكاردو ما لم يكن حاضرا كأن بعض الغرف تحمل هواء قد يدينها. حين تظن أن لا أحد يراقب ينزلق قناعها الواثق إلى ذعر محكم لجزء من ثانية ثم يعود إلى مكانه. تلك الثانية هي ما يبقيك صامدة لأنها دليل على أن الأمر ليس مجرد طبع سيئ إنه إخفاء. في ليلة خميس تغادر أوليفيا القصر بدوامة من الحرير وابتسامة مصطنعة مدعية عشاء منفعة في المدينة. يزفر الموظفون الأكبر سنا كما لو أن البيت تنفس أخيرا. تستغلين الهدوء لتنظيف مكتب دون ريكاردو تتحركين ببطء منهجي كأنك تؤدين عملك فحسب. ينفتح الباب خلفك ويدخل دون ريكاردو متفاجئا بوجود أحد في هذا الوقت. ظننتك غادرت يقول ثم يصحح حين يتذكر. تقدمين ابتسامة صغيرة مهذبة. أقيم في مساكن الموظفين سيدي تجيبين. العمل المتأخر أسهل عند الحاجة. يراقبك لحظة بتعبير ليس فضولا تماما ولا قلقا تماما. أنت مختلفة يعترف بصوت منخفض. كن خائفات. تبقين يديك مشغولتين قطعة قماش تنساب فوق الخشب المصقول وتختارين كلماتك بعناية. الخوف يسبب أخطاء تقولين. ولا أستطيع تحمل الأخطاء. يضيق نظره قليلا كأن في جملتك قصة لم يسمعها بعد. قبل أن يسأل يغلق الباب الأمامي بعنف ويصدح الصدى كطلقة تحذير. تضـ,ـرب كعوب أوليفيا الرخام بإيقاع غاضب مبكرا جدا سريعا جدا. يتصلب وجه دون ريكاردو وتبتعدين عن المكتب كأنك ضبطت على شيء. تظهر أوليفيا في المدخل بلا ابتسامة عيناها تمسحان المكان كأنها تعد التهديدات. ها أنت هنا تقول لدون ريكاردو بصوت حلو السطح مشدود العمق. يمر نظرها عليك ويطيل شاكا كأنها تشعر بأن الهواء تغير. تخفضين رأسك قليلا لا طاعة بل استراتيجية وتنسحبين بقطعة القماش وصمتك. وأنت تمضين تسمعين صوت أوليفيا ينخفض إلى همسة لاذعة وتلتقطين عبارة واحدة قبل أن يغلق الباب إنها تراقب. يقفز نبضك لأنك تدركين أنها قد تكون محقة. أنت تراقبين وتقتربين. في الصباح التالي بالكاد تغادر أوليفيا جناحها. تجري مكالمات بنبرة عاجلة منخفضة وحين تخرج إلى الممر تصفّح المقالات مزّق شيك طفلة متّسخة… ولم يعرف أنّها الوريثة الحقيقيّة للبنك! فتاه الملجأ 1 2 3