تبدو كمن لم ينم. على الإفطار تدفع الطعام في طبقها وتتجنب عيني دون ريكاردو وهو أمر غير معتاد لأنها عادة تجعل الوجبات مسرحا. تملئين القهوة تجمعين الصحون تتحركين كظل لا يتوسل الانتباه. حين تمرين قرب الجناح ليلا يكون الباب مواربا وينفلت صوت صوت أوليفيا مشدودا بالغضب والخوف. لا تقول بحدة خافتة. قلت لك لا تتصل بي هنا. لا يمكنه أن يعرف. ليس الآن. تواصلين السير كأنك لم تسمعي شيئا لكن قلبك يعلو صوته. ما تخفيه كبير بما يكفي ليجعلها متهورة وعنيفة. وإن كانت قادرة على دفع الخادمات إلى البكاء لحمايته فالسر ليس عاطفيا فقط. إنه استراتيجي. بعد أسبوع يسافر دون ريكاردو في رحلة عمل ليومين. تتبدل مزاجية أوليفيا إلى إشراق مصطنع ما إن تختفي سيارته خلف البوابات. تدندن وهي تصب ميموزا لنفسها في أواخر الصباح وتضحك في هاتفها كأنها تحررت. مع المساء تغيب دون تفسير وتترك البيت في صمت غريب نابض. يتحرك الموظفون بحذر يتبادلون النظرات لأن غيابات أوليفيا لا تكون بسيطة أبدا. تنتظرين حتى تهدأ الممرات وتبدو الأضواء الحمراء الصغيرة للكاميرات أقل شبها بالعيون وأكثر بالخلفية. تتجهين إلى الجناح الرئيسي ومعك ملاءات جديدة مطوية على ذراعك ذريعة مثالية إن رآك أحد. في الداخل تتحركين بسرعة مضبوطة لا تنبشين كلصة بل تبحثين كمن يعرف ما يهم. الخزانة كاتدرائية من الفساتين وصناديق المصممين وفرة تحاول إخفاء اليأس. خلف صف من الأثواب تجدين درجا صغيرا مقفلا مخبأ كسر يمسك قرب النبض. تخرجين دبوس شعر وتعملين على القفل بصبر حذر تصغين للخطوات تصغين للبيت نفسه خشية أن يشي بك. حين ينفتح ينقبض نفسك لا صدمة بل ثقلا. إيصالات فنادق فاخرة مؤرخة في ليال كان دون ريكاردو فيها في المنزل موقعة باسم رجل ليس ريكاردو. صور مطبوعة على ورق لامع أوليفيا تضحك على يخت أوليفيا تقبل رجلا وجهه مائل بما يكفي للتعرف عليه أوليفيا تدخل سيارة خاصة ويده على خصرها كأنها تنتمي إليه. الصور لا تظهر علاقة فقط تظهر ثقة ثقة من يظن أنه لن يمسك به. لا تأخذين شيئا لأن الأخذ يمنح أوليفيا فرصة تلفيق. بدلا من ذلك تستخدمين هاتفك نقرات صامتة زوايا سريعة لقطات نظيفة ثم تعيدين كل شيء إلى مكانه تماما. تغلقين الدرج وتعيدين قفله تمسحين أثرا باهتا كأنك لم تكوني هناك. تغيرين الملاءات حقا لأن الأعذار يجب أن تكون صادقة بما يكفي لتنجو من التدقيق. ثم تغادرين الجناح بسلة الغسيل ووجه لا يشي بشيء. يعود دون ريكاردو في الصباح التالي مرهقا كأن العمل ليس وحده ما يستنزفه. تحضرين قهوته كعادتك يد ثابتة حضور صامت وتضعين ظرفا بسيطا بجانب بريده كأنه عنصر عادي. لا تضخمين الأمر لأن الدراما ستجعله دفاعيا وأنت تحتاجينه صافي الذهن. يفتحه بعد دقائق وينفجر صوت تحطم في الممر خزف يتكسر بحدة تجعل الموظفين يتجمدون. إيزابيلا! يدوي صوت دون ريكاردو لا غضبا جامحا بل صدمة مشدودة. تدخلين الدراسة بوقفة منضبطة كأنك استدعيت لأوامر لا لاعتراف. يمسك الصور كأنها تحرقه. من أين حصلت على هذا يسأل وعيناه تبدوان أكبر سنا مما كانتا بالأمس. من خزانة زوجتك سيدي تجيبين بهدوء يصدق. ظننت أنك تستحق الحقيقة. يشتد فكه ولحظة لا يقول شيئا كأنه يعيد حساب حياته كلها في صمت. ثم يزفر ببطء متحكم وتدركين أن غضبه ليس منك بل من فكرة أنه عاش داخل كذبة. أمضيت هنا ستة أسابيع يقول بصوت منخفض. وفعلت ما لم يفعله أحد في ثلاث سنوات. لا تصححين له لكنك تتركين الجملة تستقر ليست مسألة ذكاء بل صبر. يسألك لماذا بقيت حين غادر الجميع وتتوقفين لأن هذه أول مرة يسأل أحد عن دوافعك بصدق. يمكنك القول إنك احتجت الوظيفة وهذا صحيح لكنه ناقص. يمكنك القول إنك تكرهين المتنمرين وهو صحيح أيضا لكنه غير كامل. فتختارين أبسط حقيقة لا تكشفك بعد. لأن أحدا كان يجب أن يفعل تقولين. ولأنها اعتمدت على خوف الجميع من النظر. في تلك الليلة يحدث الاشتباك أخيرا كما كان البيت ينتظره. تقتحم أوليفيا المكان بقناعها الواثق مشدودا بإحكام لكن ما إن ترى الإيصالات في يد دون ريكاردو حتى تومض عيناها. تنكر كل شيء أولا عالية الصوت مجروحة الادعاء تحول نفسها إلى الزوجة المظلومة كأن العلو يعيد كتابة الواقع. حين ينشر الصور وإيصالات الفنادق على المكتب يتشقق تماسكها بخطوط رفيعة كزجاج تحت ضغط. ثم تنقلب عليك لأن أمثال أوليفيا يهاجمون الهدف الأسهل حين يهتز عرشهم. تظنين نفسك ذكية تبصق كلماتها بارتجاف غضب. أيتها الخادمة المتدخلة هذا ليس مكانك! لا تتراجعين لأن التراجع ما تتوقعه والتوقع سلاحها. ينخفض صوت دون ريكاردو إلى ما هو أبرد من الغضب. هي لم تدمرك يقول بعينين قاسيتين. أنت من فعل. هي فقط امتلكت الصبر لتجعلك تظهرين من أنت. يلتوي وجه أوليفيا ولثانية يظهر شيء كالرعب رعب حقيقي لا أداء. يتغير البيت سريعا بعد ذلك كما يغير العاصفة ضغط الهواء. يظهر المحامون. تسلم الأوراق. تتحول تهديدات أوليفيا إلى مساومات محمومة ثم إلى صمت حين تدرك أن دون ريكاردو لن يساوم على خيانة. تحزم أمتعتها بغضب من يعتقد أنه يسلب ما يستحقه لا من يخسر ما انتهكه. في طريق خروجها تلقي نظرة أخيرة عليك كراهية إذلال حساب وتفهمين أنها تحفظ ملامحك لانتقام محتمل. لكن في عينيها شيء آخر أيضا عدم تصديق أن شخصا بلا مال قد غلبها. يراقب الموظفون من الأبواب والزوايا وهم يحبسون أنفاسهم بينما تتلاشى كعوب أوليفيا على الرخام كختام كابوس طويل. حين تغلق البوابات خلفها يبدو البيت أهدأ لا فارغا بل متخففا. تلمس دونيا ماريا ذراعك برفق وعيناها تلمعان براحة. لقد فعلتها تهمس وتدركين أنها تعني أكثر من كشف علاقة تعني أنك نجوت من طاغية في مكان ينتصر فيه الطغاة عادة. بعد أيام يستدعيك دون ريكاردو إلى مكتبه مجددا لكن وجهه هذه المرة ليس مشدودا بل متأملا. يعرض عليك منصبا دائما لا كموظفة فقط بل كمديرة لشؤون المنزل براتب يجعل حلقك يضيق. تقبلين دون مبالغة لأنك تعلمت ألا تظهري الكثير من العاطفة أمام الرجال الأقوياء يخطئون فيحسبونها ضعفا أو امتنانا قابلا للتحصيل. يدرسك كأنه يحاول فهم نوع الشخص الذي يدخل بيتا كهذا ويرفض أن يدمر. ما زلت لا أفهم كيف فعلت ذلك يعترف وصراحته تبدو غريبة في قصر مبني على الأداء. تمنحين ابتسامة صغيرة متحكمة. لم ألعب لعبتها تقولين. تركتها تلعب حتى خسرت. يومئ ببطء كأن الجملة تشرح زواجه أكثر مما فعلت الصور. حين يحتفل الموظفون بهدوء في المطبخ مساء تخرجين لتتنفسي. ليل الريف بارد وواسع والقصر خلفك يلمع كسفينة مضاءة من الداخل. تستندين إلى الحجر وتتركين كتفيك يهبطان لأول مرة منذ أسابيع وتشعرين برجفة متأخرة لكل ما رفضت الشعور به وأنت في وضع النجاة. تفكرين في الصفعة والفنجان المحطم ونظرة أوليفيا التي رأتك قابلة للتخلص. تفكرين في كل الخادمات اللواتي غادرن قبلك يحملن كرامتهن المجروحة عبر البوابات. تقولين لنفسك إنك لم تتجاوزي أوليفيا من أجل راتب. فعلت ذلك لأن أحدا احتاج أن يثبت أن السلطة ليست دائمة حين تبنى على الخوف. وفعلته لأن الأسرار تعيش على الصمت وأنت رفضت الصمت. قبل أن تعودي إلى الداخل يهتز هاتفك برسالة كنت تنتظرينها نص قصير من رقم محفوظ باسم لا يعرفه سواك. تحدقين لحظة ثم تزفرين كأنك بلغت نهاية نفق طويل. الرسالة بسيطة انتهى الأمر. هل أنت بأمان تكتبين بإبهامين ثابتين نعم. رحلت. وهو يعلم. الحقيقة أنك لم تكوني هنا من أجل العمل فقط ولم تكوني هنا من أجل النجاة فقط. جئت لأن شخصا أحببته سحق بقسوة أوليفيا من قبل ولم يصدقه أحد لأنه كان مجرد موظف. جئت لأنك وعدت نفسك ألا تدعي البيت يبتلع صوت امرأة أخرى. الآن انكشف السر وأعيد توازن القصر والذين كانوا يمشون على أطراف أصابعهم صاروا يتنفسون بكامل صدورهم. تضعين الهاتف جانبا تستقيم وقفتك وتعودين إلى الداخل لا فريسة ولا عاملة مؤقتة بل الشخص الذي جعل المستحيل ممكنا. وفي السكون الذي يلي العاصفة تدركين أن الانتصار الحقيقي ليس أن أوليفيا خسرت. بل أنك لم تخسري نفسك. تصفّح المقالات مزّق شيك طفلة متّسخة… ولم يعرف أنّها الوريثة الحقيقيّة للبنك! فتاه الملجأ 1 2 3