تصريحات ترامب حول سد النهضة: لماذا اهتم الرئيس الأمريكي بملف يمس أمن مصر المائي؟

أثار تصريح الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب بشأن سد النهضة الإثيوبي جدلًا واسعًا، حين قال إن إثيوبيا قامت ببناء سد يحجب المياه عن مصر، في إشارة واضحة إلى خطورة المشروع على الأمن المائي المصري. هذا التصريح لم يكن عابرًا، بل جاء في سياق سياسي ودبلوماسي معقد يعكس حجم الأزمة وأهميتها الإقليمية والدولية، ويطرح تساؤلات حول سبب اهتمام رئيس أمريكي بهذا الملف الحساس.

أولًا: خلفية أزمة سد النهضة

بدأت إثيوبيا في بناء سد النهضة على النيل الأزرق عام 2011، وهو أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، وتهدف من خلاله إلى توليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية. في المقابل، تعتمد مصر اعتمادًا شبه كامل على مياه نهر النيل، حيث يوفر أكثر من 95% من احتياجاتها المائية. أي نقص في حصة مصر من المياه يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة ملايين المواطنين، والزراعة، والأمن الغذائي.

الخلاف الأساسي يدور حول قواعد ملء وتشغيل السد، حيث تطالب مصر باتفاق قانوني ملزم يضمن عدم الإضرار بحصتها التاريخية، بينما تصر إثيوبيا على المضي قدمًا في الملء دون التزامات واضحة.

ثانيًا: تصريحات ترامب ودلالاتها

عندما صرّح ترامب بأن إثيوبيا “تحجب المياه عن مصر”، كان يعكس قلقًا حقيقيًا من احتمال اندلاع صراع بسبب المياه، وهو ما ألمح إليه بقوله الشهير إن “الوضع خطير جدًا”. تصريحات ترامب لم تكن فقط تعبيرًا عن رأي شخصي، بل جاءت بعد شهور من رعاية الولايات المتحدة لمفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا في واشنطن.

ترامب رأى أن المياه قضية أمن قومي لمصر، وأن المساس بها قد يؤدي إلى عدم استقرار إقليمي، وهو أمر يهم الولايات المتحدة التي تسعى دائمًا للحفاظ على التوازن في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ثالثًا: لماذا اهتم الرئيس الأمريكي بملف السد؟

  1. الأهمية الاستراتيجية لمصر
    مصر حليف رئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولها دور محوري في مكافحة الإرهاب وحفظ الاستقرار الإقليمي. أي تهديد لأمنها المائي يعني تهديدًا لاستقرار دولة محورية، وهو ما لا ترغب واشنطن في حدوثه.
  2. الخوف من صراع إقليمي
    ترامب أدرك أن النزاعات حول المياه قد تتحول إلى صراعات عسكرية، خاصة في منطقة تعاني بالفعل من توترات سياسية واقتصادية. الولايات المتحدة تسعى لتجنب حروب جديدة قد تؤثر على مصالحها وحلفائها.
  3. دور أمريكا كوسيط دولي
    خلال فترة حكمه، حاول ترامب تقديم نفسه كصانع صفقات، وكان ملف سد النهضة فرصة لإظهار قدرة واشنطن على حل نزاعات دولية معقدة، خاصة بين دول أفريقية ذات أهمية متزايدة.
  4. الضغط على إثيوبيا
    تصريحات ترامب حملت في طياتها رسالة ضغط غير مباشرة على إثيوبيا، مفادها أن تجاهل حقوق مصر المائية لن يمر دون انتباه المجتمع الدولي.

رابعًا: ردود الفعل على تصريحات ترامب

قوبلت تصريحات ترامب بترحيب حذر في مصر، حيث اعتبرها كثيرون اعترافًا دوليًا بخطورة السد. في المقابل، رفضت إثيوبيا هذه التصريحات واعتبرتها تدخلًا في شؤونها الداخلية، مؤكدة أن السد لن يضر بدول المصب.

أما على المستوى الدولي، فقد أعادت هذه التصريحات تسليط الضوء على الأزمة، وأكدت أن ملف سد النهضة لم يعد شأنًا أفريقيًا فقط، بل قضية دولية تتعلق بالأمن والسلم.

خامسًا: ما بعد ترامب… هل تغير الموقف الأمريكي؟

رغم تغير الإدارة الأمريكية بعد ترامب، فإن جوهر الموقف الأمريكي ظل قائمًا، وهو دعم الحل التفاوضي وعدم الإضرار بمصالح أي طرف. لكن تبقى تصريحات ترامب علامة فارقة، لأنها كانت من أوضح التصريحات الدولية التي وصفت السد بأنه قد يحجب المياه عن مصر.

خاتمة

تصريحات دونالد ترامب حول سد النهضة لم تكن مجرد كلمات، بل تعبير عن إدراك عالمي متزايد بأن أمن مصر المائي خط أحمر، وأن تجاهله قد يقود إلى عواقب وخيمة. اهتمام الرئيس الأمريكي بهذا الملف يعكس حجم الأزمة وخطورتها، ويؤكد أن قضية سد النهضة ستظل في صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي حتى يتم التوصل إلى اتفاق عادل يضمن حق إثيوبيا في التنمية، ويحفظ في الوقت نفسه حق مصر التاريخي في الحياة.


 

By R

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *