في الأيام الماضية، أثار خبر الحجز على معاش الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة حالة واسعة من الجدل والغضب والتعاطف في الشارع المصري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن أعلن نجله عن تعرض والده لإجراءات حجز من قِبل مصلحة الضرائب، رغم تقدمه في السن وتاريخه الفني الطويل الذي قدّمه للوطن والجمهور على مدار عشرات السنين. الخبر لم يكن مجرد واقعة قانونية عادية، بل تحوّل إلى قضية رأي عام تمس قيمة الفن، ومكانة الفنانين الكبار، وكيفية تعامل المؤسسات مع رموز ثقافية أفنوا أعمارهم في خدمة المجتمع.

عبد الرحمن أبو زهرة ليس مجرد اسم عابر في تاريخ الفن المصري، بل هو واحد من أعمدته الراسخة. شارك في مئات الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية، وترك بصمة لا تُنسى في وجدان المشاهد العربي، سواء من خلال أدواره الدرامية العميقة أو مشاركته المميزة في الأعمال التاريخية والدينية، فضلًا عن إسهاماته في عالم الرسوم المتحركة والأعمال الصوتية التي ارتبط بها أجيال كاملة. لذلك، جاء خبر الحجز على معاشه صادمًا لكثيرين، خاصة أن المعاش يُفترض أن يكون مصدر أمان للإنسان في مرحلة الشيخوخة، لا بابًا جديدًا للمعاناة.

نجله، في تصريحات مؤثرة، كشف تفاصيل الأزمة موضحًا أن والده فوجئ بقرار الحجز على المعاش بدعوى وجود مديونية ضريبية، وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول توقيت هذا الإجراء، وطبيعته، وكيفية تطبيقه على فنان تجاوز التسعين من عمره ويعاني من ظروف صحية تستدعي الرعاية والهدوء. وأكد أن الأسرة لم تتلقَّ إخطارًا واضحًا أو تسوية عادلة قبل اتخاذ قرار الحجز، الأمر الذي زاد من حدة الصدمة والشعور بالظلم.

القضية أعادت فتح ملف العلاقة بين الفنانين ومصلحة الضرائب، وهو ملف شائك لطالما أُثيرت حوله تساؤلات تتعلق بآليات التقدير الضريبي، ومرونة التعامل مع الحالات الإنسانية، خاصة كبار السن الذين لم يعودوا قادرين على العمل أو تحقيق دخل إضافي. فبينما تؤكد الدولة حقها المشروع في تحصيل الضرائب، يرى كثيرون أن هذا الحق يجب أن يُمارَس بروح العدالة والرحمة، مع مراعاة الظروف الصحية والاجتماعية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمعاشات تمثل الحد الأدنى للعيش الكريم.

ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي جاءت قوية وغاضبة، حيث عبّر فنانون وإعلاميون ومواطنون عاديون عن استيائهم من الواقعة، معتبرين أن ما حدث لا يليق بقامة فنية بحجم عبد الرحمن أبو زهرة. وطالب البعض بتدخل عاجل من الجهات المختصة لرفع الحجز وإعادة النظر في الموقف بالكامل، بينما دعا آخرون إلى وضع تشريعات أو تعليمات واضحة تمنع الحجز على معاشات كبار السن، خاصة من أصحاب التاريخ المشرف في خدمة الفن والثقافة.

في المقابل، يرى بعض القانونيين أن المشكلة قد تكون نتيجة تراكمات قديمة أو سوء فهم إداري، وليس بالضرورة استهدافًا مباشرًا للفنان أو تجاهلًا لقيمته. وأشاروا إلى أن الحل يكمن في سرعة الفحص والمراجعة، وإيجاد تسوية قانونية عادلة تحفظ حق الدولة دون المساس بكرامة الإنسان أو أمنه المعيشي. فالقانون، في جوهره، وُضع لتحقيق العدل، لا لإيقاع الأذى أو إثارة الغضب المجتمعي.

القضية تتجاوز شخص عبد الرحمن أبو زهرة، لتطرح سؤالًا أوسع: كيف نحمي رموزنا الثقافية في شيخوختهم؟ وكيف نُقدّر من أسعدونا وأثروا وجداننا لسنوات طويلة؟ فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على تحصيل الأموال، بل أيضًا بقدرتها على احترام تاريخ أبنائها ورعاية كبارهم، خاصة أولئك الذين ساهموا في تشكيل الوعي والهوية.

في النهاية، يبقى الأمل معقودًا على تدخل حكيم وسريع ينهي هذه الأزمة بما يليق باسم وقيمة الفنان عبد الرحمن أبو زهرة، ويعيد الاعتبار لمفهوم الرحمة والإنصاف في تطبيق القانون. فتكريم الفنانين لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالأفعال التي تحفظ كرامتهم وتمنحهم الطمأنينة في سنوات العمر الأخيرة، بعد رحلة طويلة من العطاء والإبداع.

By R

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *