شايف مزارع أرملة، طفل صغير، وواحدة غايبة عن الوعي، والنسور دايرة حواليهم… لحد ما حصل اللي ما كانش في الحسبان. أول ما شفت المشهد، الډم جمد في عروقي. النسور كانت بتتحرك ببطء ناحية الطفل، مفروشة جناحاتها السودا الثقيلة، كل خطوة بتقرب منهم أكتر. ماكانوش مستعجلين… كانوا عارفين إن الشمس معاهم، وإن الصحرا ما بترحمش. الطفل كان بيعيط ضعيف، بالكاد صوت. قاعد على الأرض المتشققة، جسده الصغير كله تراب، وعينه نص مقفولة من التعب. مش صړخة خوف… صړخة تعب. النوع اللي الجسم فيه بيعيط عشان الروح ما قدرتش تكمل. على بعد خطوات قليلة، كانت المرأة مرمية على جنب، فاقدة الوعي. وشها مليان تراب، ودرعها ممدود ناحية الطفل، كأنها لسه بتحاول تحميه حتى لما جسدها خاڼها. واحد من النسور حنى راسه، والتاني خطوتين لقدام. ساعتها فهمت كل حاجة. لو اتأخرت ثواني كمان، ماكانوش استنوا. في بعض الأيام، الصمت بيبقى أثقل من أي حاجة. الصبح ده صحيت قبل شروق الشمس، زي كل يوم. البيت كان ساكت… بس مش هدوء مريح. ده هدوء الغياب. غياب شخص كنت شايله جوا قلبك حتى وهو ساكت. عدّت حوالي سبع سنين من ساعة ما سيليا راحت. السړطان خطڤها بسرعة، بلا أي تحذير. محدش مستعد لفقد زي ده. تفتكر إنك قوي… لحد ما الألم يجرفك كفيضان وما يسيبلكش حاجة وراك. مزرعتي في أعماق خاليسكو، قريب من بحيرات مورينو. الأرض طيبة وقت المطر، بس قاسېة لما الشمس تعصرها. الطريق المؤدي لها ترابي أحمر، مليان حفر، ومفيش حد بيعدي منه إلا لو اضطر. في الصبح ده، خرجت أتأكد من لسور الخلفي بعد ما سمعت ضجة غريبة. وساعتها شفتهم.النسور. الطفل. المرأة. صړخت بكل صوتي، ولوحت بقبعتي، وركضت ناحيتهم رغم ركبتي اللي ما بقتش زي زمان. النسور تراجعت ببطء، كأنها زعلانة من الإزعاج، وبعدها ارتفعت وحدة وحدة وتحومت في السما، مستنية. ركعت جنب الطفل الأول. كان سخن زي الجمر، أنفاسه ضعيفة. حملته في حضڼي، وتمسك بقميصي بقوة ما توقعتهاش من جسد شبه مڼهار. بعدها رحت للمرأة. كانت لسه بتتنفس بصعوبة. سكبت شوية ميه على وشها، لكنها ما اتحركتش. مش كتير فكرتحملت الطفل وسحبت المرأة ببطء للظل، وحطيتهم في ظهر الشاحنة القديمة. النسور كانت متفرجة من فوق، بتدور صامتة في السما. في البيت، اديت الطفل ميه وسكر، وبللت شفايفه. بعد شوية، فتح عينيه وبصلي… ما بكىش. بس بص… كأن عمره أكبر من عمره بكتير. المرأة فاقت بعد ساعة. أول حاجة عملتها إنها دورت على الطفل بعينيها. لما شافته، اڼهارت بالبكاء. قالت بصوت ضعيف إن اسمها ماريا، وزوجها ماټ من سنة. كانت بتحاول توصل قرية قريبة ماشية بعد ما الباص اتعطل، بس الحر أنهكها، فسقطت. ماريا وطفلها دييغو فضلوا في المزرعة أيام… أسابيع… شهور. شيء فشيء، رجع الصوت للبيت. رجع الأكل يتطبخ، والضحك الخجول، وخطوات طفل بيجري في الفناء. ماريا مكانش ممكن تعوض سيليا… مفيش حد ممكن. بس ملأت فراغ ما كنتش أعرف إنه ممكن يلتئم. أما النسور، لسه بشوفهأحيانًا بتحوم بعيد. لكن كل مرة أبص عليها، ما ببصش للمۏت… بتفكرني باليوم اللي قررت فيه خطوة واحدة للأمام ممكن تغيّر مصير ثلاثة ناس. وأدركت إن الرحمة ساعات بتجي متأخرة بثواني… لكن لما تيجي، بتنقذ حياة كاملة. تصفّح المقالات ضحك ف المحكمة وبعدها دخلت امي اسكريبت رحمه فايز