اسمي ستيفاني وعمري سبعون عاما وعندما أنظر إلى الوراء أجد أن نصف حياتي تقريبا كان مكرسا لشخص واحد كنت أعتقد أنه ابني دخل إيثان حياتي طفلا في الخامسة من عمره بعد أن تحطمت سيارتهما في ليلة ممطرة ومات والداه في الحال كنت يومها امرأة شابة بالكاد تقف على قدمي أعمل في مصنع نسيج بنوبات مرهقة أعود آخر الليل ويدي متشققة وظهري مكسور وأسكن شقة ضيقة لا تتسع إلا لسرير ومطبخ صغير ومع ذلك عندما وضعوا ذلك الطفل الصامت في حضني لم أفكر في الفقر ولا في الخوف ولا في الوحدة قلت نعم قبل أن يكملوا السؤال ومنذ تلك اللحظة لم يكن في حياتي شيء أهم منه كبرت معه يوما بيوم كنت أستيقظ قبل الفجر لأجهز له طعام المدرسة وأعود متأخرة فأجده نائما فأجلس قربه أتأكد أن نفسه منتظم وعندما يمرض أبقى بجانبه طوال الليل أضع الكمادات وأهمس له حتى ينام علمته الحروف الأولى ووقفت أصفق له وهو يركب الدراجة لأول مرة وأسقط معه وبكيت معه وضحكت معه وأجلت أحلامي واحدة تلو الأخرى لا دراسة كملتها ولا سفر قمت به ولا زواج فكرت فيه كنت أقول لنفسي دائما سيكبر ويفهم سيعرف أن الأم ليست من تلد فقط بل من تبقى وحين بلغ الثامنة عشرة جمعت شجاعتي وأخبرته بالحقيقة قلت له بهدوء إنني لم ألده لكنني اخترته كنت أرتجف وأنا أقولها انتظرت دمعة أو سؤالا أو حتى عناقا لكنه رفع رأسه ببرود وقال كنت أعرف منذ زمن أنك لست أمي الحقيقية لم ينظر إلي حتى في تلك اللحظة شعرت بشيء يتشقق داخلي لكنني أقنعت نفسي أنه صدمة وأن الوقت سيصلح الأمر ثم دخلت آشلي حياته ومعها والدتها كارول امرأة أنيقة باردة تفوح منها رائحة المال والنفوذ تنظر إلي كما لو كنت خطأ مطبعيا في كتاب فاخر ومع ذلك حاولت ابتسمت تحملت التعليقات الصغيرة والنظرات العالية وقلت لنفسي المهم أن يكون سعيدا قبل الزفاف بأشهر جاءني إيثان وجلس قبالتي دون مقدمات قال أحتاج مالا تسعة عشر ألف دولار للحفل وإذا كنت تحبينني ستساعدينني كان المبلغ هو كل ما ادخرته من عملي ومن تقشفي ومن سنوات حرمت فيها نفسي من أي شيء كنت أحتاجه كنت أعرف أن ذلك المال هو أماني في تقاعد هادئ وربما علاج مستقبلي لكنني في صباح اليوم التالي ذهبت إلى البنك وسحبته وقلت لنفسي هذا ما تفعله الأمهات يوم الزفاف جلست في الخلف بعيدا عن الصفوف الأمامية حيث تجلس كارول بكامل أناقتها عندما أمسك إيثان الميكروفون ابتسم ونظر إليها وقال أود أن أشكر أمي الحقيقية كارول لأنها جعلت هذا اليوم مثاليا ضحك الناس وصفقوا وشعرت بمائتي عين تلتفت نحوي لم أبك لم أصرخ فقط وقفت رتبت منديلي وغادرت القاعة بهدوء في تلك الليلة عدت إلى شقتي وأخرجت مجلدا أصفر قديما عليه علامة قانونية كنت قد أعددته منذ سنوات عندما بدأت أفهم أن الحب وحده لا يحميك ولا يمنحك احتراما بعد ثلاثة أيام اتصلت بإيثان وقلت له بهدوء تعال أحتاج توقيعك على شيء جاء واثقا مبتسما كأنه يظن أنني سأعطيه المزيد وضعت المجلد أمامه وقلت له اقرأ هذه الأوراق كانت وثائق قانونية تثبت القرض الذي أعطيته له موثقا بتوقيعه القديم حين استدان مني في الجامعة وبنودا تنص على استرداد المال في حال الإخلال بالاتفاق إضافة إلى وصية محدثة تزيل اسمه من أي حق مستقبلي كنت قد كتبتها بعد الزفاف مباشرة قرأ وجهه تغير حاول أن يضحك قال أمي أنت تمزحين نظرت إليه وقلت بهدوء لا أنا فقط تعلمت درسا متأخرا أنا ربيتك ومنحتك عمري لكنني لست بنكا ولا ظلا يمحى عندما يظهر ضوء آخر وقفت وفتحت الباب وقلت يمكنك المغادرة ومنذ ذلك اليوم لم يتصل لم يعتذر لم يعد وبعد أشهر قليلة وصلني أول تحويل مالي لإعادة القرض علمت أن كارول غضبت وأن آشلي بكت لكنني لأول مرة منذ سنوات نمت وقلبي هادئ فهمت أخيرا أن الأمومة ليست تضحية بلا حدود وأن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تختفي لتجعل الآخرين يبدون أكبر وأن كرامتي التي حفظتها في النهاية كانت أغلى من أي لقب أم حقيقية أو مزيفة. مرت الشهور ببطء ثقيل بعد ذلك وكأن الزمن قرر أن يختبرني للمرة الأخيرة لم أعد أستيقظ على صوت المنبه فجرا ولم أعد أهرع إلى العمل ولا إلى المطبخ الصغير لأعد شطيرة لأحد كانت الشقة صامتة بشكل مؤلم في البداية حتى أنني كنت أترك الراديو مفتوحا فقط لأشعر أن هناك نفسا آخر في المكان كنت أكتشف نفسي من جديد امرأة سبعينية تجلس مع أفكارها لأول مرة دون أن يكون هناك طفل أو شاب أو مشكلة تنتظر الحل كنت أشعر بالذنب أحيانا وأتساءل هل قسوت هل كان يجب أن أبتلع الإهانة وأصمت كما فعلت طوال حياتي لكن كل مرة كنت أتذكر ضحك القاعة وتصفيق الغرباء ونظرته التي تجاوزتني كأنني لم أكن موجودة كان صدري يضيق فأعرف أنني فعلت ما كان يجب فعله بعد أسابيع بدأت الرسائل تصل من أرقام غريبة بعضها يلومني وبعضها يتوسل وبعضها يحاول أن يجعلني أشعر بأنني أم سيئة تجاهلتها جميعا لم أرد إلا على رسالة واحدة كانت من محامي كارول يطلب فيها التفاوض حول شروط السداد قرأتها ببرود وأغلقت الهاتف كنت قد عشت عمري كله أتفاوض على مشاعري ولم أعد راغبة في ذلك ذات صباح قررت أن أخرج للمشي في الحديقة القريبة شيء لم أفعله منذ سنوات لأنني كنت دائما مشغولة وجدت نفسي أجلس على مقعد خشبي أراقب الأطفال يلعبون والجدات يضحكن تذكرت نفسي منذ عقود وتساءلت أين ضاعت تلك المرأة القوية التي وافقت على تربية طفل يتيم دون تردد شعرت لأول مرة أنني لا أريد استعادة إيثان كابن بل أريد استعادة نفسي كإنسانة بعد أشهر تلقيت اتصالا من رقم أعرفه كان صوته متعبا مختلفا عن ذلك الشاب الواثق الذي جلس أمامي قبل التوقيع قال أمي وتوقف عند الكلمة كأنه يختبرها في فمه قال أنا آسف لم أكن أعرف ماذا أقول لم أرد عليه فورا تركته يتحدث قال إن الزواج لم يكن كما تخيل وإن كارول لم تكن أما بل كانت سلطة وإن آشلي تغيرت بعد الحفل وإن المال الذي أعادوه لي كان ثمن صمتي في نظرهم شعرت بوخزة في قلبي لكنني لم أندفع قلت له بهدوء أنا لا أحتاج اعتذارا لتشعر بالراحة أنا احتجت احتراما في وقت كنت ما زلت فيه أعطيك كل شيء سكت طويلا ثم قال هل يمكن أن نلتقي قلت ربما في يوم ما وأغلقت الخط لم أبك بعد المكالمة كما توقعت بل شعرت براحة غريبة كأنني أخيرا وضعت حدودا لنفسي بدأت أزور مركزا مجتمعيا أقرأ للأطفال هناك قصصا مرة في الأسبوع كانوا ينظرون إلي بعيون واسعة ويضحكون عندما أغير نبرة صوتي شعرت أن قلبي ما زال قادرا على العطاء لكن دون أن يداس بعد عام تقريبا جاءني ظرف بالبريد لم يكن من إيثان بل من فتاة صغيرة اسمها لينا قالت إنها كانت في الحفل ورأتني أخرج بصمت وإنها لم تستطع النوم تلك الليلة لأنها رأت في عيني حزنا يشبه حزن جدتها كتبت لي تقول شكرا لأنك علمتني أن الكرامة أهم من التصفيق ابتسمت وبكيت لأول مرة منذ زمن ليس حزنا بل امتنانا أدركت أن قصتي لم تنته عند تلك القاعة بل بدأت هناك فهمت أن الأمومة ليست عقدا أبديا مع الجحود وأن الحب الحقيقي أحيانا يكون في التراجع خطوة للحفاظ على نفسك واليوم وأنا أكتب هذه الكلمات لا أعرف إن كان إيثان سيعود يوما كابن أو كغريب أو لن يعود أبدا لكنني أعرف شيئا واحدا أنني لم أخسر نفسي بعد الآن وأن السبعين لم تكن نهاية بل بداية متأخرة لامرأة تعلمت أخيرا أن تقول لا دون أن تعتذر. بعد تلك السنة التي ظننت فيها أنني أغلقت كل الأبواب بدأت الحياة تفتح لي نوافذ لم أكن أراها من قبل كنت أستيقظ مع ضوء الشمس لا مع المنبه أعد قهوتي ببطء وأجلس قرب الشباك أراقب الشارع كأنني أراه لأول مرة وجوه الناس صارت أوضح وأصواتهم أقل إزعاجا وكأن العالم احترمني أخيرا لأنني احترمت نفسي بدأت صحتي تتحسن بطريقة غريبة الطبيب قال إن ضغط دمي استقر وإن قلبي أقوى مما توقع ربما لأنني توقفت عن حمل أوزان ليست لي كنت أذهب إلى المركز المجتمعي بانتظام الأطفال هناك صاروا ينادونني تيتا ستيفاني وكانت الكلمة تسقط على قلبي بلطف لم تكن تجرحني لأنها لم تأت مصحوبة بطلب أو ابتزاز فقط حب صافي وفي أحد الأيام جاءتني امرأة شابة بعد القراءة وقالت لي بصوت مرتجف هل تذكرينني نظرت إليها طويلا ثم عرفتها كانت آشلي نفسها بدون مساحيق ولا فستان فاخر فقط امرأة مرهقة تحمل طفلا رضيعا بين ذراعيها جلست أمامي وبدأت تبكي بلا توقف قالت إن كارول سيطرت على كل شيء وإن إيثان صار غريبا في بيته وإنها شعرت لأول مرة أنها تفهمني لأنها صارت غير مرئية في حياة رجل يركض خلف رضا والدته الجديدة لم أشمت لم أفرح فقط استمعت وعندما سألتني ماذا أفعل قلت لها ما لم يقله لي أحد يوما احمي نفسك قبل أن تطلبي الحب غادرت وهي تحمل كلمات لم أكن أعلم أنني أملكها بعد أسابيع قليلة وصلني خبر أن إيثان ترك البيت لفترة قصيرة ثم عاد ثم غادر نهائيا لم يتصل بي لكنني كنت أعرف أن خطواته المتعثرة هي جزء من الدرس الذي تأخر كثيرا بعدها بشهور تلقيت اتصالا من المستشفى قالوا إن رجلا باسم إيثان مذكور اسمي كجهة اتصال للطوارئ أغلقت الهاتف وجلست صامتة دقائق طويلة ثم حملت حقيبتي وذهبت وجدته على السرير شاحبا مكسور النظرة ليس ذلك الشاب الذي وقف في قاعة الزفاف بل طفل يشبه ذاك الذي حملته يوما بين ذراعي وقف عندما رآني وبكى وقال أنا تعبت من كل شيء لم أمسح دموعه ولم أحتضنه فورا جلست فقط وقلت له أنا هنا لأنني اخترت أن أكون هنا لا لأنك تملك حقي في قلبي بكى أكثر وقال لأول مرة أفهم ماذا خسرت لم أعده بشيء ولم أعاتبه فقط بقيت حتى اطمأن الطبيب ثم غادرت في طريق عودتي شعرت بأنني أغلقت دائرة قديمة لا لأعيدها بل لأتركها خلفي بعد ذلك بعام انتقلت من شقتي الصغيرة إلى بيت هادئ قرب البحر باستخدام المال الذي استعدته كنت أجلس هناك أكتب قصتي لا لأنتقم ولا لأفضح بل لأحرر نفسي من سنوات الصمت كتبت عن امرأة أعطت كل شيء ثم تعلمت أن تحتفظ بنفسها وصلتني رسائل من نساء كثيرات قلن إنهن رأين أنفسهن في كلماتي وإنهن قررن أخيرا أن يقلن لا شعرت أنني صرت أما من نوع آخر أما للحدود وللوعي لا للتضحية العمياء وفي أحد الأيام جاءني ظرف صغير بخط أعرفه كان من إيثان كتب فيه لا أطلب أن تعودي أمي فقط أطلب أن تسمحي لي أن أكون إنسانا أفضل بسببك وضعت الرسالة في درج ولم أرد لم يكن ذلك عقابا بل احتراما للمسافة التي أنقذتني واليوم وأنا أقترب من نهاية السبعينيات من عمري أجلس على الشرفة أسمع البحر وأبتسم لأنني عرفت متأخرة نعم لكن بوضوح أن الحب الذي يكسر صاحبه ليس حبا وأن الأم الحقيقية ليست من تنكر بل من تظل واقفة حتى بعد أن تتوقف عن الانحناء. في ذلك البيت القريب من البحر بدأت أيامي تتشابه بشكل جميل روتين هادئ يشبه الصلاة أستيقظ مع صوت الموج لا مع ضجيج الذاكرة أفتح النوافذ فيدخل الهواء المالح فأشعر كأن صدري يغسل من الداخل كنت أعتقد أن السكينة تأتي عندما نستعيد من فقدنا لكنني اكتشفت أنها تأتي عندما نتوقف عن مطاردة من لا يروننا صرت أكتب كل صباح ليس للنشر ولا للشفاء فقط لأتذكر من كنت ومن أصبحت كنت أكتب عن الفتاة الشابة التي وقفت في دار الرعاية وقالت نعم لطفل لا تعرفه وعن المرأة التي وقفت في قاعة زفاف وقالت لا دون أن تنطق بالكلمة وعن العجوز التي تجلس الآن وتعرف أن كل مرحلة كانت ضرورية لكي تصل إلى هنا بعد فترة بدأت تصلني دعوات صغيرة من جمعيات ومكتبات يطلبون مني أن أتحدث عن قصتي كنت أضحك في البداية وأقول أنا مجرد امرأة عادية لكنني قبلت مرة واحدة ثم ثانية ثم صرت أرى في عيون النساء دموعا مؤجلة منذ سنوات أسمع قصصا تشبه قصتي بأسماء مختلفة وأدركت أن ألمي لم يكن استثناء بل كان صوتا مكتوما لجيل كامل من النساء اللواتي تعلمن أن الصمت فضيلة وأن العطاء فرض وأن الشكوى ضعف في إحدى تلك الأمسيات جاءتني فتاة في العشرينات أمسكت يدي وقالت لو لم أسمعك اليوم لكنت وافقت على شيء سيكسرني مدى الحياة حينها فقط فهمت لماذا كان يجب أن أعيش كل ما عشته بعدها بأشهر قليلة وصلني اتصال أخير من إيثان لم يكن صوتا منهارا ولا متوسلا كان هادئا متزنا قال إنه يعمل الآن في مدينة أخرى وإنه بدأ علاجا نفسيا وإنه يفهم لأول مرة معنى الأمومة الحقيقية قال لي لا أريد شيئا فقط أردت أن تعرفي أنني أحاول أن أكون رجلا لا يكرر ما فعله بك أغلقت الهاتف وأنا أشعر بحزن خفيف لكنه نظيف حزن لا يجرح ولا يطلب شيئا حزن يشبه وداع شخص تعرف أنه سيكمل طريقه بعيدا عنك لكن دون كراهية بعدها بعام تلقيت دعوة لحفل تخرج تصفّح المقالات ضــ,,ـــــربتني مديره المحل في حفل زفاف ابني اعلن زوجي 1 2