وفي تلك الجلسات، كنت أجلس أحيانًا صامتًا،
أستمع أكثر

مما أتكلّم،
وأكتشف—بمرارة—كم كنت غائبًا حتى وأنا حاضر جسديًا.
تعلّمتُ كم مرّة تجاهلتُ إشارات التعب لأنها لم تكن «طارئة» في جدول أعمالي.
كم مرّة رأيت الإرهاق في عينيها، واخترتُ أن أصدّق أنها «ستتحسّن».
كم مرّة أقنعتُ نفسي بأن توفير كلّ شيء ماديًا يعفيني من مسؤولية الحضور الإنساني،
من السؤال،
من الإصغاء،
من أن أكون هناك… حقًّا.

وأمّا آنا…

فلم أتعامل معها كما كنت أفعل من قبل،
كجزءٍ صامت من المشهد اليومي،
كوجودٍ ضروري لكنه غير مرئي.

في مساءٍ هادئ، طلبتُ منها أن تجلس معنا إلى الطاولة.
لم يكن الأمر سهلًا عليها.
رأيت التردّد في عينيها،
ورأيت الخوف من تجاوز حدودٍ رسمها المجتمع قبلنا،
حدودٍ تعلّمتها دون أن يعلّمها أحد.

قلتُ لها، وأنا أنظر إليها بصدق لم أستخدمه كثيرًا في حياتي:
«أدين لكِ بأكثر من راتب.
لم تنظّفي هذا البيت فحسب…
بل أمسكتِ عائلتنا معًا حين كنّا نتفكّك دون أن نشعر.»

لم تستطع أن تمنع دموعها.
ولا أنا.

في تلك اللحظة، أدركتُ كم كان الصمت ظل*مًا،
وكم كان الاعتياد قاسيًا.

غيّرنا دورها رسميًا—
لا بوصفها “خادمة”،
بل مقدّمة رعاية لابنتنا،
بحدود واضحة تحمي الجميع،
واحترام حقيقي لا يُقال بل يُمارَس،
وصوت مسموع في كلّ ما يتعلّق بالطفلة التي أحبّتها بصدق،
لا بدافع الواجب فقط، بل بدافع القلب.

لم نخفِ وجودها.
لم نجعل حبّها سرًّا.
لم نطلب من ابنتنا أن تختار بين حبّين،
لأننا فهمنا أخيرًا أن القلوب لا تضيق بالامتنان،
وأن الاعتراف بالفضل لا يُنقص من أحد،
بل يرفع الجميع.

مرّت أشهر.

لم تكن سهلة.
كانت هناك انتكاسات،
وأيام تعب،
ولحظات شكّ كنت أتساءل فيها إن كنتُ قادرًا حقًّا على الاستمرار في هذا

التغيير.
لكن شيئًا واحدًا كان يتغيّر بثبات، دون ضجيج أو إعلان:
أنا.

تغيّرت علاقتي بالوقت.
تغيّرت أولوياتي.
تغيّر معنى «النجاح» في ذهني.

صرت أعود إلى البيت قبل الغروب،
لا لأنني مجبر، بل لأنني مشتاق.
أحضر قصص ما قبل النوم،
أجلس على الأرض،
ألوّن،
وأبني مكعّبات،
وأضحك دون حساب للوقت،
دون أن أنظر إلى ساعتي كلّ خمس دقائق.

صرت ألاحظ التفاصيل الصغيرة التي لم أرها من قبل،
تفاصيل لم تكن غائبة عن الواقع، بل كانت غائبة عني أنا.

صرت أميّز نبرة صوتها عندما تكون متعبة،
ذلك الانخفاض الخفيف الذي لم أكن أسمعه سابقًا،
لأنني كنت أسمع الكلما*ت فقط، لا ما وراءها.

ألاحظ طريقة ضحكها عندما تشعر بالأمان،
ضحكة قصيرة، غير عالية،
لكنها صافية، خالية من التكلّف،
ضحكة لا تظهر إلا حين لا تخشى أن تُهمل بعدها.

وألاحظ سكونها حين تطمئن أنني باقٍ،
ذلك الهدوء العميق الذي لا يصنعه النوم،
بل تصنعه الثقة.
ثقة طفل يعرف أن من أمامه لن يختفي فجأة،
ولن ينشغل عنه،
ولن يختصر حضوره في وعدٍ مؤجّل.

وفي عصرٍ آخر، عدتُ إلى البيت مبكّرًا مرّةً ثانية.

لم يكن في الأمر قرار بطولي،
ولا محاولة استعراض للتغيير،
كان مجرد رغبة صادقة في أن أكون هناك…
في الوقت المناسب،
لا بعد فواته.

لكن هذه المرّة،
لم يكن المشهد صادمًا كما كان في السابق،
لم يكن مؤلمًا،
بل كان شافيًا،
كأن شيئًا مكسورًا في داخلي وجد أخيرًا مكانه الصحيح.

ما إن فتحتُ الباب،
حتى سمعتُ وقع خطوات صغيرة تركض نحوي،
خطوات غير متردّدة،
غير متثاقلة،
خطوات تعرف وجهتها جيدًا.

ركضت ابنتي نحوي بأقصى ما تستطيع ساقاها الصغيرتان حملها،
ركضت دون تفكير،
دون حساب،
دون أن تلتفت خلفها لتتأكد أن

أحدًا يسمح لها أو يوافق.
«بابا!»
صرختها كانت أعلى من أيّ نداء سمعته في حياتي،
وأصدق من أيّ تهنئة،
وأثمن من أيّ صفقة أغلقتها يومًا.

فتحت ذراعيّ،
واصطدم جسدها الصغير بص*دري،
كأنها كانت تنتظر هذا العناق منذ زمن،
وكأن الزمن نفسه توقف لحظةً احترامًا له.

لم تنظر خلفها طلبًا للإذن.
لم تنتظر إشارة.
لم تتردّد.

اختارتني.

ذلك العناق لم يكن مجرّد عناق طفل،
لم يكن حركة عفوية،
بل كان رسالة كاملة بلا كلما*ت.

كان تصديقًا جديدًا بأنني لم أعد غائبًا.
كان إعلان ثقة صامتًا،
لا يحتاج تفسيرًا ولا شرحًا.

كان فرصة ثانية مُنحت لي دون شروط،
دون ضمانات،
ودون أن أكون قد أثبت بعد أنني أستحقّها بالكامل.

وفي تلك اللحظة،
وأنا أحتضنها،
وأشعر بدفء جسدها الصغير،
فهمتُ شيئًا لم تعلّمني إيّاه أيّ مدرسة أعمال،
ولا أيّ كتاب إدارة،
ولا أيّ منصب وصلتُ إليه مهما علا شأنه:

فهمتُ أن النجاح ليس بما تكسبه،
ولا بعدد الصفقات التي تُغلقها،
ولا بالأرقام التي تلمع في حسابك البنكي.

النجاح الحقيقي…
هو ما تكاد أن تخسره وأنت مشغول بتكديس النجاحات الوهمية،
ثم تنتبه في اللحظة الأخيرة،
حين لا يزال في الوقت متّسع لخطوة صادقة.

النجاح الحقيقي هو أن تختار—بكامل وعيك—
أن تقاتل من أجل ما يهم،
أن تبقى حين يكون الرحيل أسهل،
أن تتغيّر حين يكون التبرير أريح.

أن تفهم أن بعض الخسارات لا تُعوَّض بالمال،
وأن بعض الفرص لا تأتي مرتين،
وأن الفقدان حين يصبح نهائيًا…
لا تنفع معه أيّ إنجازات متأخرة.

وقبل فوات الأوان،
وقبل أن يتحوّل الندم إلى عادة،
اختر أن تكون حاضرًا،
اختر أن تكون أبًا،
اختر أن تكون إنسانًا…
لا مجرّد اسمٍ ناجح على بابٍ مغلق.

تنبيه:

هذه القصة عملٌ خيالي مستوحى من أحداث واقعية. الأسماء والشخصيات والتفاصيل قد تمّ تغييرها. وأيّ تشابه هو محض مصادفة. ويخلي المؤلف والناشر مسؤوليتهما عن الدقّة أو الاعتماد أو التفسيرات. وجميع الصور لأغراض توضيحية فقط.

By 7777

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *