قالت للقاضي أتحدث 11 لغة… فضحك الجميع، وبعد دقائق انقلبت المحكمة رأسًا على عقب «أتحدث إحدى عشرة لغة»، قالت الشابة ويداها مكبلتان بالأصفاد. انفجر القاضي ضاحكًا. ضحكة جافة، هستيرية، ارتدت أصداؤها في أرجاء قاعة المحكمة ذات الأسقف الخشبية العالية. وقال ساخرًا وهو يمسح دمعة سالت من شدة الضحك أمام الحضور جميعًا: «بالطبع، وأنا أيضًا متعدد اللغات». كانت فالنتينا رييس، ذات الثلاثة والعشرين عامًا، في قلب العاصفة. زيّ السجن البرتقالي، الواسع أكثر مما ينبغي، كان يتناقض مع وقارها الصامت. مئات العيون كانت تحدّق فيها بحدة: صحفيون، محامون، فضوليون. الهواء كان مشحونًا بالأحكام المسبقة وبحب الاستطلاع المريض. أما المدعي العام توماس برادفورد، النحيل الحاد كحد السكين، فكان يبتسم بابتسامة متعالية. قال بصوت جهوري: «سيدي القاضي، نحن أمام أكثر عمليات الاحتيال جرأة. هذه الشابة، بلا تعليم نظامي ولا شهادات، تقاضت آلاف الدولارات مقابل ترجمات بعشر… لا، بإحدى عشرة لغة! إنها حالة تخيّل مرضي». تجمّدت الضحكات. قالت فالنتينا مقاطعة، بصوت ثابت يشبه السلاح غير المتوقع: «وأستطيع إثبات ذلك هنا، الآن». رفعت عينيها عن الأرض وحدّقت مباشرة في القاضي هاريسون ميتشل. لم يكن في عينيها خوف، بل نار متقدة. سنوات من الإذلال كانت تحترق في تلك النظرة. توقف ميتشل، وانحنى بجسده الثقيل إلى الأمام فوق المنصة، وقد تحوّل ملله إلى انزعاج خطير. قال بصوت خافت مهدِّد: «هل ترين العدالة مسرحًا يا آنسة رييس؟» أجابته وهي تتقدم خطوة: «حضرتك سخرت مني قبل أن تستمع إليّ. إن لم يكن هذا مسرحًا، فلا أعلم ما هو». ساد صمت خانق. شدّ الحاجب ريموند كوبر عضلاته، فيما أمسكت باتريسيا ميندوزا، محامية الدفاع العام المنهكة، بذراع موكلتها محاولة إيقافها. قال ميتشل متجهمًا، على غير توقع الجميع: «حسنًا. سأمنحكِ مسرحك. لكن عندما تفشلين، وستفشلين، أعدكِ أن وجودك هنا سيكون أقل مشاكلك». ثم أمر جامعة الولاية بإرسال عشرة أساتذة، أستاذ لكل لغة، من أشدهم صرامة للتقييم. كانوا قادمين لتفكيكها. تنفست فالنتينا بعمق. كان الطريق إما إلى الهلاك أو إلى البعث من جديد، وقد اختارت البعث. كان مركز الاحتجاز الاحتياطي “الأمل الجديد” تفوح منه رائحة الإسمنت البارد والوعود المكسورة. أُسكنت فالنتينا في الزنزانة رقم 47C. نظرت إليها رفيقتها في الزنزانة، كارمن إسترادا، امرأة قستها السنوات، وقالت بابتسامة جافة: «إذًا أنتِ النار التي يتحدثون عنها». لم تنم فالنتينا. كانت تراجع الكلمات. الصينية المندرينية. العربية الفصحى. العبرية. العربية التي تعلمتها من جدتها لوسيا، العاملة المنزلية لدى عائلات دبلوماسية، التي علمتها كيف تصغي في الظلام. والمندرينية التي تعلمتها من الطفل تشين الصغير، الذي كانت تلعب معه في حديقة السفارة الصينية. كانت إحدى عشرة لغة تجري في عقلها كأنهار، بلا شهادة واحدة تثبتها. كان الإرهاق ينهشها، لكن الإهانة كانت تبقيها على قيد الحياة. ارتفع الأدرينالين حين دخلت امرأة أنيقة رسمية غرفة الاستشارات: الدكتورة إلينا فاسكيث، أخصائية علم النفس الجنائي. كان المدعي يريد إثبات أن فالنتينا تعاني من وهم مرضي، وأنها تصدق أكاذيبها. سألتها الطبيبة ببرود: «هل شعرتِ يومًا بأن الناس لا يفهمونك، وأنك تعيشين في عالم مختلف؟» نظرت فالنتينا إليها بثبات وقالت: «كل يوم من حياتي. لكن ليس لأنني مجنونة، بل لأنني عشت في عوالم لم يزرها معظم الناس. العالم هو المخطئ في حكمي، لا أنا». في اليوم السابق للجلسة، فُتح الباب باكرًا. كان ديفيد تشين، أحد العملاء الذين اتهموها. بدا شاحبًا منهارًا. قال بصوت مكسور: «ترجماتك كانت مثالية. مديري أجبرنا على الإبلاغ عن احتيال. لم أتحقق من شهاداتك. كان تدمير حياتك أسهل من الاعتراف بخطئي». وسلّمها ظرفًا سميكًا يحوي نسخًا من الترجمات المعتمدة، ورسائل إلكترونية مليئة بالثناء من شركائه في بكين، وإقرارًا خطيًا منه بشهادة زور. شعرت فالنتينا بمزيج من الراحة والغضب. لقد زُجّ بها في هذه القضية لحماية مصالح شركات كبرى. في تلك الليلة، جاءت شابة تعمل أمينة مكتبة وقدمت لها طردًا: ستة كتب، نصوص تقنية وقانونية وطبية بست لغات مختلفة. همست لها: «الأستاذ فياريال أعدّ اختبارًا لتفشلي. مفردات لا يعرفها إلا أساتذة جامعات». فتحت فالنتينا أول كتاب، وكان رسالة في القانون البحري باللغة الروسية، واستلقت على سريرها الحديدي. قالت في نفسها: «أقل من أربع وعشرين ساعة». أغمضت عينيها، وبدأ عقلها، الذي صقلته سنوات العزلة، يمتص المعرفة. تذكّرت جدتها لوسيا وهي تغسل الصحون وتترجم ذهنيًا صحيفة عربية، فكان ذلك وقودها. في اليوم التالي، دخلت فالنتينا قاعة المحكمة مرتدية بدلة سوداء، وقد تحطمت الأصفاد الذهنية التي كانت تكبلها. لم تعد متهمة، بل أصبحت محترفة. تصفّح المقالات جعلني زوجي أستضيف حفلة عيد ميلاده وذراعي مكسورة تزوجت ارمله اخي وفاء لذكراه ورعايه اطفاله 1 2