أظرف. قررت أن أخرج من الظل وأحضرت هدايا. ناولتها الظرف الأول. قرأته. شحبت. همست هذا قرار فصلي. قلت اشتريت شركتك أمس. ولا أوظف من يسخر من أطفال يحتضرون. سلمت الظرف الثاني لأبي. قال إشعار إخلاء. قلت لأنني المالكة الحقيقية للدين. صرخت أمي لا يمكنك فعل هذا! صرخت أنا وابنتي ترقد بين الحياة والمو.ت وطلبتم مني فستانا! رميت الظرف الثالث هذا كشف حسابي. تركت الدراسة لأني كنت أبني خوارزمية تشغل نصف أنظمة البلد. أول مليون في الحادية والعشرين. أردت فقط أن أعرف هل يمكنكم أن تحبوني بلا ثمن نظرت إليهم عرفت الجواب. أسقطت الميكروفون. وغادرت. في الخارج رن هاتفي. قال الطبيب استيقظت. عدت أركض إلى المستشفى غير عابئة بالفستان ولا بالنظرات ولا بصوت خطواتي في الممرات الطويلة. كان قلبي يسبقني يخفق بعنف كأنه يخشى أن يصل قبلي فيفقدها ثانية. عندما فتحت باب الغرفة رأيتها. كانت عينا صوفي مفتوحتين. لم تكونا صافيتين تماما كان فيهما تعب وضباب خفيف لكنهما كانتا عينيها حاضرتين حيتين. توقف الزمن عند تلك اللحظة وكأن الكون كله قرر أن يمنحني نفسا أخيرا بعد غرق طويل. قالت بصوت واهن متكسر لكنه معجزة بحد ذاته ماما انهرت. لم أتمالك نفسي. بكيت كما لم أبك من قبل لا من الألم ولا من الغضب بل من الامتنان الخالص. أمسكت يدها الصغيرة وضغطتها إلى صدري كأنني أخشى أن يتبدد المشهد إن تركتها. فتحت عينيها قليلا وتأملتني ثم قالت ببراءة أنهكتها الأجهزة لماذا ترتدين فستان أميرة ابتسمت من بين الدموع ومسحت شعرها بلطف وقلت لأنني اضطررت الليلة أن أق.تل بعض التنانين لكنها انتهت الآن يا صغيرتي. بعد تلك الليلة بدأت التبعات. انهالت الاتصالات. رسائل أرقام مجهولة نداءات متأخرة. لم أجب. حظرتهم جميعا. جاءت فانيسا إلى المستشفى بعد أيام تحاول الدخول تحاول الكلام تحاول أن تبدو أختا فجأة. لم أصل إليها. تولى الأمن إخراجها قبل أن تقترب من المصعد. جاءني آرثر بتحديثاته بصوته العملي الهادئ والداك يقيمان الآن في نزل متواضع. الأقفال تغيرت بعد الحفل مباشرة. وفانيسا تحاول رفع دعوى قضائية. أجبته وأنا أراقب صوفي تغفو بسلام لا يهم. وبالفعل لم يعد يهم. بعد أيام سمحوا لنا بالخروج من المستشفى. لم أعد إلى ذلك المنزل المستأجر الذي كنت أعيش فيه مؤقتا وكأنني أنتظر إذنا لأكون نفسي. أخذت صوفي إلى المطار. كانت الطائرة الخاصة تنتظر. سألتني وهي تنظر من النافذة إلى أين سنذهب قلت بهدوء لم أعرفه من قبل إلى مكان دافئ. إلى بيتنا الحقيقي. بعد ستة أشهر كنت أجلس في توسكانا تحت شمس ذهبية ثقيلة أراقب صوفي تركض بين الكروم تضحك تتعثر ثم تنهض وكأنها لم تعرف الألم يوما. كان عرجها الخفيف يتلاشى وكان صوت ضحكتها يملأ التلال من حولي. وضعت فنجان الشاي جانبا عندما وصلني خطاب. كان من أمي. فتحت الظرف ببرود لم أعهده في نفسي من قبل. لم يكن في صدري فضول ولا توقع ولا حتى خوف من الكلمات. قرأت السطور ببطء عبارات استجداء متعثرة شكاوى مكررة طلب صريح للمال وتذكير متكلف بأن العائلة تبقى عائلة وكأن هذه الجملة وحدها قادرة على محو سنوات من القسوة والتجاهل والخذلان. أعدت طي الورقة بهدوء. وأدركت شيئا مفاجئا. لم أشعر بشيء. لا غضب يشتعل. لا حزن يضغط الصدر. لا حتى خيبة أمل. كان الفراغ هو الإحساس الوحيد. فراغ نقي يشبه السكون الذي يلي العاصفة حين تدرك أنها انتهت ولن تعود. أشعلت النار في طرف الورقة لا باندفاع بل بتأن. راقبت اللهب وهو يلتهم الكلمات سطرا سطرا يحولها إلى رماد هش يتفتت بين أصابعي ثم يتطاير مع النسيم. ومع كل ذرة رماد تنفصل عن الورقة شعرت أن قيدا قد سقط وأن حملا قد أزيح عن روحي دون ضجيج. لم يكن احتراق الورقة انتقاما. كان تحررا. وفي تلك اللحظة اخترق صوت صوفي هدوء المكان صافيا مفعما بالحياة ماما! انظري! يظن أنه مختبئ في الظل! التفت إليها. كانت تشير إلى كائن صغير بين الأعشاب يحاول أن يتوارى خلف ظل واهن بينما الشمس تغمر المكان كله بنورها. ابتسمت. ضحكت ضحكة خفيفة صادقة لم تولد من ألم ولا من تحد. قلت لها لكن الشمس أقوى يا حبيبتي. نظرت إلى الضوء من حولنا وفهمت أخيرا ما لم أفهمه لسنوات طويلة. الظلال لا تعيش بذاتها. هي لا تولد إلا عندما يقف شيء ما في طريق الضوء. وعندما يبتعد ذلك الشيء تختفي الظلال وحدها بلا مقاومة بلا صخب. وقد تحركت أخيرا. تنحيت جانبا. كففت عن الوقوف في طريق النور وعن انتظار اعتراف لم يأت يوما. تركت الضوء يمر. يغمرني. ويمضي. وللمرة الأولى في حياتي لم يبق شيء يحجب الضوء. النهاية. تصفّح المقالات وصلت سن الثانيه والاربعون لم أخبر والدي اني قاضية فيدرالية 1 2