ثم أدركوا الحقيقة.
داخل الصندوق كان هناك طفل.
ارتفعت الأصوات.
تجمدت الأيدي.
ثم تذكر أحدهم الهاتف واتصل بالإسعاف بصوت مرتجف.
حين وصلت المساعدة كان الوقت قد صار أثمن من أي شيء آخر في تلك اللحظة. لم يعد يقاس بالدقائق ولا بالثواني بل بالأنفاس القليلة المتبقية في صدر
طفل صغير كاد أن يطفأ صوته قبل أن يعرف اسمه. تحرك المسعفون بسرعة ممزوجة بالحذر وكأنهم
يدركون أن أقل حركة خاطئة قد تسلب هذا الجسد الهش آخر فرصه.
رفعوا الطفل بعناية بالغة كأنهم يحملون معجزة صغيرة معجزة لا تزال دافئة بالكاد. كان حيا. ضعيفا إلى حد يفزع القلب. جلده بارد أطرافه متجمدة أنفاسه قصيرة ومتقطعة لكن قلبه كان ما يزال ينبض بإصرار غامض كأنه يرفض الاستسلام كأنه يعرف أن هناك من قاتل من أجله حتى اللحظة الأخيرة.
أما الكلب
فقد تحرك.
لم تكن حركة كاملة ولا نهوضا بل ارتعاشة خفيفة بالكاد ترى لكنها كانت كافية لتثبت أن الروح لم تغادره بعد. فتح عينيه ببطء شديد كما لو أنه يعود من مكان بعيد مكان لا يصل إليه الصوت بسهولة. رأى أمامه أيد بشرية تمتد تتحرك تشير ترفع وتحتضن. سمع أصواتا متداخلة لم يفهم كلماتها ولم يحتج إلى ذلك. ما وصل إليه لم يكن اللغة بل النبرة.
نبرة لم تشبه تلك التي سمعها آخر مرة داخل السيارة.
لم تكن باردة.
لم تكن حاسمة.
لم تكن خالية من الرحمة.
كانت أهدأ.
أدفأ.
أقرب إلى الطمأنينة.
شعر للمرة الأولى منذ زمن طويل أنه لم يعد وحده في هذا العالم. شعر بأن وجوده

الذي بدا منسيا لم يكن بلا معنى. وأن ما كان عليه فعله في تلك الليلة القاسية قد تم. لم يعد مطلوبا منه أن يقاوم أكثر. لم يعد عليه أن يسهر واقفا بين الحياة والموت.
أغلق عينيه ببطء.
ليس كمن ينهار
بل كمن يستريح.
كان ذلك هدوءا عميقا هدوءا لم يعرفه في حياته كلها. لم يكن هدوء التعب الذي يلي الجهد ولا هدوء الجسد حين يستسلم للبرد بل هدوءا آخر أصفى وأصدق. هدوء من أدى مهمته كاملة كما لو أنه أرسل لأجلها وحدها ثم عاد مطمئنا لأنه لم يقصر.
هدوء من سلم الأمانة دون تذمر ودون شكوى ودون أن يلتفت خلفه منتظرا كلمة شكر أو نظرة امتنان. كان هدوء الكائن الذي أدرك في لحظته الأخيرة أن وجوده لم يكن عبثا وأن نهايته لم تكن خسارة بل اكتمالا.
لم يكن في المكان من يلحظ تلك السكينة التي غمرته.
الثلج كان ما يزال يتساقط.
والطريق كان ما يزال صامتا.
لكن شيئا ما قد تغير إلى الأبد.
بعد ساعات وفي مكان دافئ بعيد عن الثلج بعيد عن الريح والطريق المنسي وقف الطبيب أمام عدد من الناس يشرح ما حدث. كان كلامه علميا مهنيا محسوب

الكلمات كما تقتضي المهنة. غير أن عينيه رغم كل محاولات السيطرة كانتا تفضحان أثر التأثر العميق.
قال إن الطفل لم يكن لينجو لولا دفء ذلك الحيوان العجوز. قال إن جسدا كان يحتضر قد منح ما تبقى فيه من حرارة لجسد لم يبدأ حياته بعد. قال إن تلك الحرارة البسيطة الهشة التي لا يلقي لها أحد بالا في العادة كانت الحد الفاصل بين الحياة والموت.
قال إن بضع درجات من الدفء درجات لا تقاس بالأرقام وحدها بل بما تحمله من معنى هي التي أبقت القلب ينبض.
وأن الطب بكل أجهزته وأدويته لم يكن ليصل في الوقت المناسب لولا تلك الساعات الطويلة التي صمد فيها كلب عجوز أمام البرد حارسا حياة ليست له.
هز الناس رؤوسهم بصمت.
بعضهم أطرق رأسه وبكى كأن الدموع هي اللغة الوحيدة القادرة على التعبير.
وبعضهم ظل واقفا مشدوها عاجزا عن الكلام لأن الكلمات بدت فجة صغيرة لا تليق بعظمة ما سمع.
لم يعرف أحد اسم الكلب.
لم يكن له طوق يحمل اسما أو رقما.
لم يكن مسجلا في أي سجل ولا مصنفا ضمن أي فئة.
لم تلتقط له صورة رسمية ولم يوثق وجوده

في تقرير أو ملف.
لم تعلق له لوحة تذكارية ولم يخصص له مكان في ذاكرة المؤسسات.
مر كما مر كثيرون من قبله بصمت كامل.
لكن الصمت لا يعني الغياب.
ولا النسيان.
لأن الأثر الحقيقي لا يحتاج إلى اسم محفور ولا إلى شاهد مكتوب.
الأثر يعيش في النتائج لا في العناوين.
في مكان ما من هذا العالم وفي زمن لاحق كبر طفل.
كبر وهو يتنفس هواء الصباح دون أن يعلم كم كان ذلك قريبا من المستحيل.
كبر وهو يتعلم المشي متعثرا في خطواته الأولى ثم يركض ضاحكا ثم يضحك من قلبه بلا خوف.
كبر وهو يعيش حياة كاملة حياة مليئة بالتجارب والأحلام والاختيارات حياة لم يكن مقدرا لها أن تبدأ أصلا.
كبر لأن كلبا عجوزا متروكا متعبا قرر في ليلة باردة على طريق منسي لا يمر به أحد أن الموت يمكن أن ينتظر قليلا.
وأن التضحية لا تحتاج إلى شهود ولا إلى تصفيق.
وأن الرحمة لا تسأل عمن يستحقها بل تعطى لأنها الرحمة.
وأن الحب حتى في أكثر أشكاله صمتا
وحين يأتي من كائن لا يملك شيئا سوى جسده المنهك
قادر على إنقاذ حياة كاملة
وقادر على ترك أثر لا

يذوب
حتى بعد أن يذوب الثلج
ويختفي الطريق
ويمضي الجميع.

By 7777

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *