في لحظات الفقد، تسقط كل الأقنعة، وتنكشف هشاشة الإنسان مهما بدا قويًا أو متماسكًا. بعض الأحزان لا يمكن وصفها بالكلمات، لأنها تفوق قدرة القلب على الاحتمال، وهذا تمامًا ما يمر به الفنان نضال الشافعي اليوم، بعد أن فقد والدته، بعد شهور قليلة فقط من فقده زوجته وأم بناته هند محمد علي. صدمة فوق صدمة، ووجع يتراكم دون أن يمنح صاحبه فرصة للالتقاط أنفاسه أو محاولة التعافي. مشهد نضال الشافعي وهو يحمل نعش والدته كان كافيًا ليحكي قصة حزن لا تحتاج إلى شرح. لم يكن يبكي بصوت عالٍ، لم ينهَر أو يصرخ، لكنه كان مكسورًا من الداخل. ذلك النوع من الحزن الصامت الذي يكون أخطر من الدموع، لأن صاحبه يحاول التماسك بينما روحه تتفتت. كان واضحًا أنه لا “يعرف كيف يبكي”، أو ربما لا يملك رفاهية الانهيار، لأن المسؤولية أثقل من أن تسمح له بذلك. والدة نضال الشافعي لم تكن مجرد أم له فقط، بل كانت “الأم الثانية” لبناته، والسند الحقيقي بعد رحيل زوجته. بعد أن فقد شريكة عمره، كانت هي الأمان المتبقي، والملجأ الأخير، والروح التي تحاول أن تزرع الطمأنينة في قلبه وقلوب الصغيرات. كانت تحاول أن تعوض غياب الأم، وأن تكون الحضن الدافئ الذي يحمي الأسرة من الانكسار الكامل. لذلك، فإن رحيلها لم يكن فقد أم فقط، بل فقد بيت كامل، وسقف كان يحمي ما تبقى من القوة. نضال الشافعي هو الابن الوحيد لوالدته، لا أخ له ولا أخت، وكانت هي عالمه، وهو عالمها. علاقة الابن الوحيد بأمه دائمًا تكون مختلفة، أكثر عمقًا وتشابكًا، خاصة عندما تصبح الأم هي السند الوحيد في الحياة. وعندما يرحل هذا السند، يشعر الإنسان وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه، وكأن الدنيا أغلقت أبوابها فجأة دون سابق إنذار. الألم كان مضاعفًا، لأن والدة نضال كانت تعاني في أيامها الأخيرة من متاعب صحية خطيرة، بعد تركيب دعامات في القلب، وكانت حالتها لا تحتمل أي خبر سيئ أو صدمة نفسية. كانت في المستشفى، تقاوم المرض بصمت، وربما تقاوم الألم حتى لا تُتعب ابنها أكثر مما هو متعب أصلًا. أمٌّ تحاول أن تكون قوية من أجل ابنها، حتى وهي على سرير المرض. المؤلم في الأمر أن نضال لم يكن قد تعافى بعد من صدمة فقد زوجته، التي رحلت تاركة فراغًا لا يُملأ، ومسؤولية ثقيلة تجاه بناته. كان لا يزال يتعلم كيف يعيش مع الحزن، كيف يكون أبًا وأمًا في آنٍ واحد، كيف يبتسم لأطفاله رغم انكساره الداخلي. ثم جاءه الخبر الأصعب: رحيل أمه، آخر من كان يشد على يده ويقول له “أنا معك”. في مثل هذه المواقف، يعجز الكلام. لا توجد جملة قادرة على مواساة قلب مكسور بهذا الشكل. حتى هو نفسه، لم يجد ما يقوله عنها، لأن الفقد أكبر من التعبير. أحيانًا يكون الصمت أصدق من أي كلمات، وأحيانًا يكون العجز عن البكاء علامة على أن الحزن تجاوز حدوده الطبيعية. قصة نضال الشافعي ليست قصة فنان فقط، بل قصة إنسان يواجه اختبارًا قاسيًا من الحياة. تذكرنا بأن الشهرة لا تحمي من الألم، وأن القلوب، مهما بدت قوية، يمكن أن تنكسر فجأة. وتذكرنا أيضًا بقيمة الأم، وبأن وجودها في حياة أبنائها نعمة لا تُدرك إلا عند فقدها. رحم الله والدة الفنان نضال الشافعي، ورحم زوجته، وجعل مثواهما الجنة، وألهمه وبناته الصبر والقوة والسكينة. فبعض الأحزان لا تُشفى، لكنها تُحتَمل بالدعاء، وبالرحمة، وبالإيمان أن الله لا يختبر عباده إلا لأنه يعلم قدرتهم على الصبر، مهما بدا الطريق مظلمًا. تصفّح المقالات الجرائم التي تُرتكب داخل الدوائر القريبة البنك المركزي يعلن ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج