قال القاضي بحدة كفى. السيد فورد أنت الذي طلبت السير الفوري. لا يمكنك أن تطلب السرعة عندما تخدمك ثم تطلب الوقت عندما تنقلب عليك. المحكمة ليست أداة في يد أحد. ثم وجه كلامه إلى أمي تابعي سيدة بينيت.
شعرت لأول مرة منذ أسابيع أن الهواء يدخل رئتي دون مقاومة. لم يكن ذلك لأن الخوف زال تماما بل لأن الخوف صار يقف في الجهة الأخرى من الطاولة.
أشارت أمي إلى فقرة محددة وقالت موكلك قدم اليوم إفادة تحت القسم. وفيها أقر

بعدم امتلاك حسابات خارجية سوى ما صرح به.
بينما لدينا هنا وضربت بإصبعها على الصفحة تحويلان مصرفيان في تاريخين مختلفين إلى حساب مرتبط بشركة Apex Ventures ثم إعادة توجيه إلى وسيط في قبرص ثم إلى محفظة أصول رقمية ثم إلى صندوق أمانات. هذا تسلسل لا يملكه إلا شخص حاول عمدا أن يخرج المال من دائرة الكشف.
تحرك القاضي في مقعده وبدأ يقلب الأوراق بنفسه. عيونه كانت تضيق كلما تقدم في الصفحات وكأنها تقرأ ليس مجرد أرقام بل نية سيئة مكتوبة بالحبر.
ثم حدث ما لم أتوقعه كيث بدلا من أن يصمت حاول أن يتشبث بآخر قشة. صاح بصوت متكسر هذه أموال عملي! أنا الذي تعبت! هي هي لم تفعل شيئا!
كانت الجملة أشبه باعتراف خرج دون إذن من عقله. اعتراف بالنظرة التي كان يخنقني بها سنوات أنك لا تساوين.
ساد صمت صاعق. حتى غاريسون توقف عن الحركة وكأن دماغه أدرك متأخرا أنه خسر السيطرة على موكله.
رفع القاضي رأسه ببطء وقال السيد سيمونز هل تعترف الآن على السجل بوجود هذه الأموال وبأنها لم تفصح عنها في إفادتك المالية وهل تعترف ضمنيا بأنك تعمدت إخفاءها لتفادي إدخالها في قسمة الأصول
فتح كيث فمه ثم أغلقه. نظر إلى غاريسون. وغاريسون لم ينظر إليه كان يحدق في الأوراق كما لو أنها أصبحت نارا.
قالت أمي بهدوء قاتل لا مزيد من الأسئلة لهذا الشاهد في هذه اللحظة.
جلست بجانبي. لم تبتسم. لم تحتفل. فقط وضعت يدها على كتفي لحظة واحدة كمن يثبت عمودا قبل أن يكمل البناء. تلك اللمسة وحدها كانت كافية لتجعل الدموع تتجمع في عيني.
وقف غاريسون وكأنه يخوض معركة ضد نفسه سيدي القاضي أطلب بكل احترام الانسحاب من تمثيل المدعي.
ارتفعت همهمة جديدة لكنها هذه المرة همهمة دهشة. جزار برودواي ينسحب.
اتسعت عينا كيث ماذا لا تستطيع! دفعت لك خمسين ألفا!
قال غاريسون بجمود يحاول أن يبدو مهنيا نشأ تعارض أخلاقي. لا يمكنني الاستمرار في تمثيل موكل قدم إفادات غير صحيحة تحت القسم. استمراري يعرضني لمخالفة مهنية جسيمة.

لم يحتج القاضي إلى مزيد طلبك مبدئيا ينظر فيه لاحقا لكني أسمعك. والأهم سأحيل محضر الجلسة إلى مكتب الادعاء العام للنظر في شبهة الحنث باليمين والاحتيال عبر التحويلات.
عندها رأيت كيث ينهار حقا لم يعد يتكلم كالمتباهي. صار يتنفس كمن غرق وخرج للتو. حاول أن يقف لكن الضابط كوالسكي كان أسرع. ضغطه إلى المقعد بيد حازمة.
قال القاضي بصوت لا يحتمل التأويل الآن قرار مؤقت فورا
أولا تجميد جميع أصول السيد سيمونز وأي كيان يثبت ارتباطه به إلى حين اكتمال الإفصاح والتحقيق.
ثانيا منح السيدة سيمونز حق الاستخدام الحصري للمسكن الزوجي في الجادة الخامسة وعقار الهامبتونز.
ثالثا إلزام السيد سيمونز بدفع مائة في المائة من أتعاب المحاماة للسيدة سيمونز.
ورابعا يمهل السيد سيمونز ساعتين لإخلاء العقار وأي عبث بالممتلكات أو نقل لأصول يعد مخالفة لأوامر المحكمة.
ثم ضرب بالمطرقة رفعت الجلسة.
خرج الناس من القاعة كما يخرجون من عرض لم يتوقعوا نهايته. كان في الممر الخارجي ضوء قوي ذلك الضوء الذي يفضح كل شيء. وقفت على عتبة المبنى والبرد يلسع خدي لكنني لم أعد أشعر أنني مختنقة.
سرت بجانب أمي في ضوضاء مانهاتن وكان وقع خطواتها هذه المرة مختلفا أقل حدة وأكثر إنسانية كأن الحديد انزاح قليلا ليترك مجالا للأم.
لكن القصة لم تسمح لي بالراحة طويلا.
توقفت سيارة سيدان سوداء قرب الدرج. انخفض زجاج النافذة ببطء وظهر رجل أكبر سنا شعره فضي ووجهه صلب كالصخر. لم أحتج إلى تعريف. أعرف ذلك الوجه كما يعرف المرء ندبة قديمة.
همست أبي
تصلبت أمي فورا ليس خوفا بل حذرا محكما ويليام.
قال بصوت بارد وكأن الزمن كله مجرد صفقة مرحبا يا كاثرين. رأيت الأخبار. عودة المطرقة الحديدية. ثم نظر إلي غريس مر وقت طويل.
سألته وأنا أشعر بالأرض تميد تحت الكلمات ماذا تفعل هنا
فتح باب السيارة ونزل وفي يده ملف رفيع. قال أنا هنا لأن كيث سيمونز مدين لي. كثيرا. وسمعت

أنكما أخذتما كل ما يملك. رفع الورقة قبل ستة أشهر وضع كيث شقة الجادة الخامسة كضمان لقرض خاص من شركتي آيرونكلاد كابيتال. وقد تعثر أمس. هذه الشقة بحسب هذا العقد ملك لي.
كان ذلك كضربة ثانية بعد أن ظننت أن المعركة انتهت. شعرت بدوار سريع. الشقة التي ظننت أنها أصبحت أخيرا ملاذا تسحب مني باسم الأعمال.
همست أبي هل ستطردني
قال بلا تردد إنه عمل يا غريس. لا أستطيع شطب خسارة بمليوني دولار.
لم تهتز أمي. لم تتراجع خطوة. أخذت الورقة من يده كما يأخذ شخص خبير تقريرا طبيا يعرف مسبقا أين الخطأ. مرت عيناها على السطور بسرعة مذهلة ثم توقفت عند فقرة بعينها.
قالت وهي تقرأ بصوت واضح الفقرة الرابعة البند ب يقر المقترض بأنه المالك الوحيد وأن الضمان خال من أي حقوق أو قيود. رفعت نظرها إلى ويليام هل أجريت فحصا للسجل العقاري أم صدقت رجلا يناديك سيدي
قال ويليام بامتعاض اسم كيث على سند الملكية.
أجابته أمي اسم كيث على النسخة التي عرضها عليك. ثم فتحت حقيبتها وأخرجت ملفا أزرق في عام 2018 أقنعت كيث بنقل العقار إلى صندوق عائلي. لوائح الصندوق تنص على أن استخدام العقار كضمان يتطلب توقيع المستفيدين معا.
نظرت إلى خط التوقيع في عقد أبي. كانت هناك خربشة تشبه توقيعي لكنها مرتعشة. ليست يدي. ليستني.
قلت بصوت يخرج بالكاد لقد زوره.
قالت أمي دون أن ترفع صوتها بالضبط. إذن يا ويليام ما بين يديك عقد باطل قائم على توقيع مزور. لا حق لك في الشقة. وأنت خسرت مليوني دولار بسبب رجل ظن أنه يستطيع خداع الجميع.
تغير لون وجه أبي وانسحبت منه الصلابة للحظة. قال ببطء ذلك الوغد خدعني أنا أيضا.
أومأت أمي نعم. الآن لديك خياران إما أن تلاحقه شخصيا وتستعيد حقك منه أو أن تحاول الاقتراب من غريس وسأقاضي شركتك بتهمة إقراض مفترس وإهمال في التحقق وسأغرق آيرونكلاد كابيتال في دعاوى لن يخرج منها أحفادك قبل التسوية.
حدق أبي في أمي طويلا ثم نظر إلي. رأى

في وجهي شيئا لم يره يوم اعتبر زواجي اندماجا جيدا رأى أنني لست صفقة.
سأل أخيرا ماذا تريدان
قالت أمي اعتذر لها. ثم اذهب.
تنهد أبي كأنه يبتلع كبرياء سنوات غريس لم أكن أعلم بالتزوير. أنا آسف.
أجبت بهدوء لم أتوقعه من نفسي حسنا يا أبي. يمكنك أن تذهب الآن. لدي موعد غداء مع محاميتي.
عاد إلى سيارته ورحل وترك خلفه هواء أقل ثقلا.
التفتت إلي أمي وهذه المرة ابتسمت ابتسامة دافئة حقيقية ليست ابتسامة المحامية في القاعة. قالت حسنا. انتهى هذا الجزء. والآن بشأن الغداء أظن أن لدينا عشرين عاما لنلحق بها.
عانقتها أخيرا بلا بروتوكولات بلا ملفات. قلت اشتقت إليك يا أمي.
همست وهي تضمني وأنا اشتقت إليك أيضا يا صغيرتي. لن أرحل هذه المرة.
مرت ثلاثة أشهر.
كانت صالة عرض في تشيلسي مزدحمة على نحو لم أحلم به. عنوان المعرض كان ولادة جديدة. وقفت وسط القاعة مرتدية فستانا أحمر أضحك مع جامعي أعمال فنية وأشعر لأول مرة أن الضوء لا يفضحني بل يحتضنني. اللوحة
المركزية المطرقة كانت تظهر نورا يشق سلاسل العتمة. وبجانبها نقطة حمراء صغيرة بيعت.
في زاوية القاعة كانت أمي تراقب بصمت فخور. فتحت هاتفها ظهر تنبيه إخباري الحكم على كيث سيمونز بالسجن خمس سنوات بتهمة الاحتيال عبر التحويلات.
أغلقت الهاتف ورفعت نظرها إلي وكأنها تقول دون كلام هذا ما يحدث عندما يستهين أحدهم بك.
اقتربت مني وقالت بنبرة هادئة نفدت أعمالك.
قلت وأنا أكاد لا أصدق لا أستوعب أمي شكرا. لو لم تدخلي من تلك الأبواب
قاطعتني برقة كنت ستجدين طريقك في النهاية. أنت أقوى مما تظنين. أنا فقط ساعدتك على إنهاء المعركة.
فهمت حينها أن الصمت ليس ضعفا. إنه مساحة قصيرة بين الألم والقوة. وقفة يلتقط فيها القلب أنفاسه قبل أن ينهض. لم أعد المرأة ذات الفستان الرمادي التي كانت تضم أصابعها حتى تبيض مفاصلها. كنت غريس بينيت سيمونز فنانة ناجية وابنة امرأة تعرف كيف تحمي أبناءها حين يتحول

العالم إلى قاعة محكمة.
وكان لدي الكثير الكثير من الرسم بعد.

By 7777

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *