فـي طريقـي إلى جلسـة الطـلاق، ساعـدتُ رجـلاً مسنًـا على الحافلـة. أراد أن يرافقنـي إلى المحكمـة. وعندما وصـلنا، لحظـة رؤية زوجـي له، شحـب وجهه من الخـوف…. واتضـح أن هـذا الرجـل المسن لم يكـن كمـا بـدا لـي الفصل الأول: الظلال الصامتة لم يجلب صباح اليوم الدافئ الدفء، بل شعورًا بالمساءلة. كان الضوء يتسلل من خلال الستائر البلاستيكية الرخيصة في مطبخي، ويلقي بظلاله المشبَّكة على طاولة الطعام حيث كان يوجد ظرف بني واحد، كما لو كان عبوة غير منفجرة. حمل الظرف ختم المحكمة لعلاقات الأسرة في مقاطعة كوك. يداي، التي اعتادت على الثبات بعد سنوات من الخياطة وتطريز الأقمشة، ارتجفت پعنف وأنا أمسك الظرف. خفق قلبي على نحو محموم، وكأن كل نبضة هي تمهيد للصدمة التي أعلم أنني سأجدها بداخله. مرت ثلاثة أسابيع منذ أن غادر غيب الباب— ثلاثة أسابيع من الصمت، وثلاثة أسابيع من الفراش البارد، وثلاثة أسابيع من إدراك أن الرجل الذي تزوجته قد تحول إلى شخص غريب يرتدي بدلة باهظة. غيب. زوجي. الرجل الذي كان قد وعدني يومًا بالحب في شقة ضيقة، عندما لم يكن لدينا سوى علبة حساء مشتركة وحلم كبير. بحبس أنفاسي، فتحت الختم وبدأت أقرأ الخط الرسمي البارد. إنه استدعاء لحل الزواج. تم تحديد موعد الجلسة في صباح الغد. انسحب الهواء من الغرفة، شعرت كأن ضړبة فعلية قد أصابت صدري، وركعت على الأرض. الدموع الحاړقة ضبابت الحبر على الورق. قبل أن تجف دمعة واحدة على وجنتي، رن هاتفي. غيب. كان اسمه في السابق مصدر سعادة، والآن صار تهديدًا. فتحت الرسالة بيد مرتجفة: “لقد استلمتِ الرسالة. لا تنسي الحضور غدًا. أتوقع التعاون منك. لا تصنعي مشهدًا ولا تعقدي الأمور.” لا تحية، لا “مرحبًا ستيلّا”. مجرد أوامر. تحدث إليّ وكأنني موظفة متمردة، لا المرأة التي كانت تكوي قميصه لسنوات. ابتلعت كرة الڠضب والحزن في حلقي، وأرسلت له رسالة: “غيب، لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا؟ أليس بإمكاننا الحديث؟ لي الحق في معرفة ما فعلته خطأ.” كانت الردود فورية، كأن القسۏة جاهزة مسبقًا: “الحديث؟ لا يوجد ما نتحدث عنه. ستيلّا، انظري إليّ وانظري إلى نفسك. أنا شريك قانوني أول في مكتب مرموق. أنا أتناول الطعام مع الرؤساء والسياسيين. وأنت؟ ربة منزل تعرف الوصفات وخيوط الخياطة. أنت إحراج في المناسبات الرسمية. لا يمكنك التكيف مع عالمي.” اغرورقت عيني بالدموع وأنا أقرأ: “لقد نسيت من كان معك عندما لم يكن لديك شيء.” تذكرت الليالي التي سهرتها حتى الثالثة صباحًا لخياطة الملابس لدفع رسوم امتحاناته. تذكرت السنوات التي مشينا فيها مشيًا على الأقدام لأننا لم نكن نملك وسيلة مواصلات. تذكرت احتضاني له عند فشله في السنة الأولى، وأخبرته أنه عبقري وسيغير العالم. “توقف عن العيش في الماضي”، رد عليّ بقسۏة. الفصل الثاني: عربة الصدفة في صباح الغد، كان الرطوبة في شيكاغو ترتفع منذ الصباح. لم أملك المال لأخذ سيارة أجرة—غيب أغلق الحسابات المشتركة. لم أملك سيارة. فسرت على قدميّ. أثناء مروري بصناديق البريد، رأيت الجيران يتهامسون: “هذه هي؟ ذاهبة إلى المحكمة. زوجها ناجح، وهي… انظري إليها. ماشية على قدميها الطريقتين.” ركبت الحافلة العامة، مكتظة بالركاب. الجو داخلها ثقيل برائحة العرق والدزل. وعند توقف الحافلة، كان رجل مسن يكافح للصعود. رقبته بيضاء، ملابسه بالية، ويحاول الثبات على الدرابزين. بلا تفكير، تدفقت نحوه، وأمسكت بذراعه قبل أن يسقط. كان خفيفًا كطائر، لكن الوزن المتحرك أثقل مما يبدو. ساعدته على الجلوس، وشكرني بصوت مرتعش: “لقد أنقذتني من كسر الورك، أو الأسوأ.” قلت له: “لا شيء.” ابتسم: “في هذه المدينة، اللطف عملة نادرة.” سألته عن وجهته. قلت له إنني ذاهبة إلى المحكمة لحضور جلسة الطلاق. ابتسم بابتسامة غامضة وقال: “يمكنني مرافقتك، ساقاي لا تزال ضعيفة.” وهكذا، مشينا معًا نحو مبنى المحكمة الصامد. الفصل الثالث: ملك الغرور في ردهة المحكمة، جلسنا على مقاعد الانتظار. قال لي الرجل العجوز—السيد كيسلر: “ابقِ هادئة، لا تدعيه يرى ضعفك.” دخل غيب، يرتدي بدلة زرقاء، شعر مصفف، بابتسامة متعجرفة. لم يرَ السيد كيسلر من قريب. بدأ غيب في الحديث عني وكأنني بقعة على سجادة، وطلب مني التوقيع على تنازل عن كل الممتلكات. قلت: “لن أوقع. لقد ساهمت بالمال والعمل!” هنا، وقف السيد كيسلر، وهتف به: “انتبه لأسلوبك، يا بني!” تجمد غيب. الارتباك استولى عليه. فالرجل العجوز الذي ظننته مسنًا عاديًا، كان الأستاذ المؤسس لمكتب محاماة شهير—آرثر كيسلر. الفصل الرابع: الحقيقة تطل عرف غيب أنه أخطأ. ارتجف كطفل مذنب. السيد كيسلر: “لقد حكمت على كتاب من الغلاف. لقد اعتبرت زوجتك ضعيفة لأنها بسيطة. اليوم تعلم الدرس.” غيب سقط على ركبتيه، متوسلًا، بينما كيسلر نظر إليّ بابتسامة هادئة: “ستيلّا، هل أنت جاهزة؟” أجبت: “جاهزة.” الفصل الخامس: مطرقة العدالة في قاعة المحكمة، جلسنا في طاولة الدفاع، وغيب في طاولة الادعاء. أعلن القاضي: “القضية مسجلة، الأصول تُمنح للسيدة ستيلّا مندوزا. الطلاق مُصدق.” خرجنا إلى الشمس الحاړقة. غيب هرب. السيد كيسلر ابتسم وقال: “لقد أنقذت نفسك. أظهرتِ شخصية عندما تجاهلك العالم. هذه هي مكافأة الكارما اليوم.” أعطاني بطاقة عمله: “تحتاجين الآن إلى عمل. نحتاج أشخاصًا بأخلاق، لا شهادات. القلب أهم.” وقفت، أتشبث بالبطاقة وملكية المنزل، أشعر بالحرية لأول مرة منذ عام. لم أعد أصغر من أن أمشي في الحياة—كنت أبدأ حياتي. النهاية. تصفّح المقالات حكايه صعيدي بعد ٦ شهور من طـ,ـلاقي