لم أكن أنا لكنني كنت أعرف من فعل. كنت أعلم أنهما ستختفيان ولم أفعل شيئا. كنت تعلمين قال أدريان بصوت جاف بلا دموع كأن الألم صار معدنا. انخفض نظرها لحظة وتشققت قناعها. لم أستطع تدمير حياتي من أجل فتاتين لم تكونا ضمن خططي. بكت التوأمتان بصمت. لم تفهما كل شيء لكنهما فهمتا الرفض. وهذا النوع من الرفض لا يحتاج ترجمة. والرجل ذو القبعة سأل أدريان. جامع خردة دفع له ليتخلص مما تبقى من الحريق قالت وكلمة يتخلص أحرقت روحه. ظننت أنه أنهى الأمر لكن حين علمت أن الطفل أشارت إلى جوليان باحتقار أبقاهما حيتين أدركت أن الوقت مسألة وقت. شعر أدريان بغضب بارد صفى ذهنه. دفعت ليأخذوا ابنتي لم تكونا ابنتي بصقت ريبيكا. لم أرد أن أكون أما. لم أرد هذا العبء. في تلك اللحظة كان أدريان قد فعل ما يتعلمه الرجل اليائس التحرك قبل أن ينهار العالم. أثناء حديثها كان قد أرسل رسالة إلى رئيس أمنه وإلى مفتش يدين له معروفا قديما. لم يثق بأحد لكنه وثق أقل بالبقاء وحيدا هناك. دوت صفارات الشرطة من بعيد. شحبت ريبيكا. لا يمكنك أن تفعلي هذا لم أعد شريكا في قسوتك أجاب أدريان. دخلت الشرطة المكب بحذر. عثر على الرجل ذي القبعة بعد دقائق مختبئا بين أكوام المعدن. كبلت ريبيكا. لم تصرخ. لم تتوسل. أنزلت رأسها لا ندما بل لأنها فهمت أن السيطرة انتهت. حين خيم الصمت جثا أدريان أمام ابنتيه. لم يتحرك فجأة. ترك الدموع تنساب صافية كأنها أخيرا نالت الإذن. انتهى الأمر همس. لن تخافا بعد اليوم. تقدمت بيانكا أولا. ببطء. بيدين مرتجفتين. أسندت جبهتها إلى كتف أبيها. لم يكن عناقا كاملا. كان بداية. قلدتها أبريل. ألزقت خدها بقميصه كمن يختبر إن كانت الحياة قد تعود لطيفة. كان جوليان يراقب ساكنا بمزيج من الارتياح والألم كأنه يدرك أنه لن يكون الملجأ الوحيد بعد الآن. رآه أدريان واستدار إليه بصوت مكسور لن نتركك خلفنا. رمش جوليان مشوشا. ستأتي معنا قال أدريان وكل كلمة كانت وعدا جديدا. أنت جزء من هذا. معكم سأل الطفل بالكاد بصوت كأن العبارة لغة غريبة. نعم. أنت أنقذتهما. منحتهما الحياة. أنت عائلة. خفض جوليان رأسه وبكى بصمت بكاء قديما متراكما منذ سنوات. اقتربت التوأمتان لا تزالان ترتجفان واحتضنتاه أيضا كأن الحب أخيرا وجد شكله. لم يكن الطريق سهلا. احتاجت بيانكا وأبريل إلى أطباء وغذاء ودفء وعلاج وصبر. كانت هناك ليال من الكوابيس وأيام من الخوف من الأصوات العالية ولحظات يعود فيها الماضي كظل. تعلم أدريان أن يكون أبا من جديد لا من باب الثراء بل من باب الحضور. تعلم أن الاعتذار لا يقال مرة واحدة بل يعاش كل يوم. أما جوليان فقد اكتشف شيئا لا يعلمه أي مكب نفايات أن الطفل لا يولد غير مرئي بل يصبح كذلك حين يتوقف العالم عن النظر إليه. منحه أدريان بيتا لكن الأهم أنه منحه مكانا على طاولة واسما ينطق بحب وسريرا بملاءات نظيفة ويقينا بأنه لا يحتاج إلى استحقاق حقه في الوجود. بعد أشهر عاد أدريان إلى المقبرة لا ليبكي عند شاهد فارغ بل ليغلق فصلا. حمل الزهور نعم لكنه حمل الحقيقة أيضا. أمام القبر وتحت سماء صافية أدرك شيئا أبقاه ساكنا أحيانا تنقذ الحياة لا بالقوة ولا بالمال ولا بالأسماء بل بطيبة شخص لا يملك شيئا ومع ذلك يختار أن يعتني. نظر إلى يديه وفكر في جوليان وفي بيانكا وفي أبريل. في ضباب ذلك اليوم الأول. وفي العبارة المستحيلة إنهما في مكب النفايات. ومع حركة الريح للأوراق فهم أدريان أن المأساة لم تكن الحريق المزور وحده بل كانت تصديقه أن الألم يمكن إخفاؤه بالوثائق. لأن الحقيقة عاجلا أم آجلا تجد طريقها أحيانا عبر صوت طفل فقير في أكثر زوايا المدينة نسيانا يقول ما لا يجرؤ أحد على قوله سيدي إنهما على قيد الحياة. تصفّح المقالات سافـرتُ ١٢ ساعـة مـن الـخارج لزيـارة والدتـي، وقد خـططنا لهـذه الرحـلة لأسابيـع المفاجاه الذي صدمت زوجي 1 2 3