أمسكت بالميكروفون. دوى صرير التغذية الراجعة وأسكت الهمهمات.
قلت وأنا أنظر إلى الوجوه
مساء الخير. لمن لا يعرفني اسمي مايا سترلينغ. وقبل عشر دقائق قدمني زوجي إلى مديركم التنفيذي على أنني مربيته.
انطلقت شهقة جماعية. التفتت الرؤوس نحو ديفيد الذي تقلص كأنه يريد الذوبان في السجادة.
تابعت وقبل خمس دقائق سكبت شقيقته كأس نبيذ علي وطلبت مني تنظيفه لأن هذاعلى حد قولهاعمل الخدم.
أشرت إلى البقعة.
أنا هنا لتوضيح أمر يتعلق بطاقم هذه الشركة.
ثبت نظري على ديفيد

الذي كان يهز رأسه ويهمس توقفي.
قلت بصلابة
أنا لا أعمل لدى عائلة سترلينغ. لا أجيب ديفيد. وبالتأكيد لا أنظف الأرضيات.
توقفت لحظة.
أنا مالكة أبيكس إنوفيشنز. أنا رئيسة مجلس الإدارة الشبح التي اشترت ديونكم. أنا من يوقع الشيكات.
انفجرت القاعة. وقف الناس. كان هندرسون يومئ بجانبي مؤكدا كل كلمة.
قلت
وبصفتي المالكة لدي سياسة صارمة ضد من يفتقرون للنزاهة. الكذب على زوجتك لاكتساب مكانة هذا خلل في الشخصية لا أستطيع تحمله في القيادة.
أشرت إلى ديفيد
ديفيد سترلينغ أنت مفصول من العمل. اعتبارا من هذه اللحظة.
تراجع ديفيد مترنحا كأنه ضرب.
قلت وأنا أبحث عن سارة في الحشد
وسارة أعلم أنك تقودين سيارة مؤجرة باسم الشركة ضمن مزايا ديفيد. سيجمع الأمن المفاتيح عند الموقف. يمكنك العودة بأوبر.
صرخ ديفيد هذا جنون! إنها تكذب! إنها ربة منزل! مجنونة!
أشرت إلى فريق الأمنرجال ببدلات داكنة كنت قد أطلعتهم شخصيا مسبقا.
أخرجوا المتطفلين. وإذا قاوموا اتصلوا بالشرطة.
أمسك الحراس بذراعي ديفيد. كان يصرخ ويشتم محطما ما تبقى من كرامته. اقترب حارس من سارة المرتعبة.
صرخ ديفيد مايا! لا يمكنك فعل هذا! أنا زوجك! أملكك!
قلت في الميكروفون
أنت لا تملك شيئا. لا هذه الوظيفة. ولا هذه الشركة. وبالتأكيد لا تملكني.
لم أبق لبقية الحفل. لم أرد تصفيقا ولا متملقين. أردت هواء.
خرجت

من مخرج جانبي يرافقني حارسان.
في موقف السيارات لم يكن المشهد قد انتهى بعد.
كانت الأضواء البيضاء القاسية تنعكس على الإسفلت المبتل فتجعل كل شيء يبدو فاضحا أكثر مما ينبغي. وقف ديفيد وسارة على الرصيف كمن أسقط من عالم لا يعرف كيف يعود إليه. بدلة ديفيد الأنيقة التي اختارها بعناية ليبهر رجال الأعمال قبل دقائق كانت مجعدة ومشدودة عند الكتفين كأنها لم تعد تناسب جسده ولا مكانه الجديد. أما سارة فكانت تبكي بانهيار كامل وقد سال الماسكارا على وجنتيها ليكشف قناع الثقة الزائفة الذي عاشت به سنوات.
حين رآني ديفيد أخرج من الباب الجانبي تغير وجهه في لحظة.
اختفى الغضب الذي كان يتباهى به أمام الناس وتحول إلى رجاء فوضوي رجاء رجل أدرك متأخرا أنه خسر كل أوراقه دفعة واحدة.
اندفع نحوي بخطوات متعثرة لكن الحراس تقدموا فورا وأوقفوه بحزم.
مايا! حبيبتي! صرخ بصوت مكسور وقد ارتجفت يداه. انتظري! بالله عليك انتظري! كانت مزحة! مجرد توتر! ضغط! لم أقصد ما حصل!
توقفت.
لم يكن التوقف شفقة بل قرارا واعيا بأن أسمع نهاية المشهد حتى آخره.
نظرت إليه طويلا ثم قلت بهدوء جليدي
مزحة
ابتلع ريقه وقال بسرعة كأن الكلمات تطارده
نعم نعم! أحبك! أنت تعرفين ذلك! كنت فقط أحاول أن أندمج مع هؤلاء الناس. أردت أن أنجح. فعلت ذلك لأجلنا! لأجل مستقبلي للترقية!
أملت رأسي قليلا ونبرتي ازدادت

برودة
لا. فعلته لأجلك وحدك. خجلت مني. رأيتني عبئا. ظننتني أقل منك وأردت

أن تخفيني كي تشعر أنك أكبر.
هز رأسه بعنف
لا! لا! أبدا! لم أشعر بهذا!
نقلت نظري إلى سارة التي كانت تقف خلفه كظل مرتعش.
قلت
وأنت عاملتني كقمامة لسنوات. سخرت مني أنفقت مالي بلا تردد واعتبرت صمتي ضعفا. واليوم حاولت إذلالي أمام الجميع لأنك اعتقدت أنني لن أرد.
انفجرت بالبكاء
كنت ثملة! أقسم! لم أقصد!
قلت بوضوح قاطع
لا يهم.
أخرجت من حقيبتي الملطخة بالنبيذ ظرفا أبيض نظيف الحواف كأنه لم يلمسه هذا العبث كله. كنت أحمله منذ أسابيع أنتظر اللحظة التي لا تحتاج تفسيرا.
ألقيته عند قدمي ديفيد.
حدق فيه بارتباك
ما هذا
قلت دون تردد
أوراق الطلاق. وأمر منع. وإخطار إخلاء رسمي. البيت باسمي يا ديفيد. اشتراه ميراثي. وشركتي الواجهة تملك الصك بالكامل. لديك أربع وعشرون ساعة لتغادر.
سقط ديفيد على

ركبتيه كما لو سحبت الأرض من تحته.
لم يكن سقوطا جسديا فقط بل انهيار رجل اعتقد أن العالم ملكه لأنه لم يجبر يوما على الاعتراف بمن يقف خلفه.
لا وظيفة لا سيارة لا بيت تمتم ثم رفع رأسه باكيا
لا تتركيني بلا شيء أرجوك
فتحت باب الليموزين وتوقفت لحظة قبل أن أدخل.
قلت بصوت هادئ لكنه حاسم
لن أتركك بلا شيء. سأتركك مع كبريائك. بدا أنه أغلى ما لديك الليلة. أتمنى أن يدفئك.
جلست في السيارة.
صرخت سارة بذعر
كيف سنعود أخذوا المفاتيح!
أنزلت النافذة بضع سنتيمترات وقلت بلا انفعال
سمعت أن الحافلات تعمل حتى منتصف الليل. أو يمكنكما المشي. سيمنحكما ذلك وقتا كافيا للتفكير في ثمن النبيذ الأحمر.
أغلقت النافذة.
تحركت السيارة ببطء ومع ابتعادها كنت أراهما في المرآة الخلفية شخصين صغيرين تحت ضوء شارع

باهت يتضاءلان أكثر فأكثر حتى ابتلعهما الظلام.
بعد ثلاثة أشهر كان كل شيء مختلفا.
المكتب الزاوي في الطابق الأربعين كان يطل على المدينة كأنها خريطة مفتوحة للفرص. كان مكتب هندرسون سابقا لكنه أصر أن أستلمه عندما توليت منصب المدير التنفيذي رسميا.
قال يومها مبتسما هذا المكان يحتاج شخصا لا يخاف الارتفاع.
أزلت الخشب الداكن والجلد الثقيل. استبدلتهما بالضوء والزجاج وأوركيدات بيضاء تبعث هدوءا لا يخلو من قوة.
جلست خلف المكتب أوقع التقارير الفصلية.
أبيكس إنوفيشنز لم تتعاف فقط بل ازدهرت.
ارتفع السهم خمسة عشر في المئة. عاد المستثمرون. تغيرت الثقافة من الداخل.
رن جهاز الاتصال.
سيدتي قالت مساعدتي. هناك رجل في الردهة يقول إنه زوجك السابق. لا موعد لديه.
توقفت.
شعرت بالهدوء لا بالغضب.
ماذا

يريد سألت.
يتقدم لوظيفة. يقول إن لديه علاقات داخلية.
ابتسمت. ابتسامة صادقة هذه المرة.
قولي له إننا لا نوظف حاليا في الواقع انتظري.
عاد إلي ذلك المشهد القديم. نظرته وهو يقدمني كمربية. شعور التلاشي.
قلت
قولي له إن طاقم النظافة يبحث عن متدرب نوبة ليلية. بالحد الأدنى للأجور. بلا مزايا. إن أراد تنظيف الأرضيات سأمنحه فرصة.
قالت وهي تحاول كتم ضحكتها
حسنا سيدتي.
ثم أضفت
وتأكدي أن يعرف من الرئيس.
أغلقت الخط.
استدرت إلى النافذة. المدينة تلمع.
أدركت كم من السنوات قضيتها أصغر نفسي ليشعر غيري بالعظمة. أخفيت ذكائي ومالي وقوتي لأنني ظننت أن الحب يتطلب التضحية بالنور.
كنت مخطئة.
الحب لا يطلب منك أن تختبئي.
يطلب منك أن تكوني كما أنت.
وإن لم يحتمل أحد نورك
لا تطفئيه.
اشتري شركة الكهرباء

وارفعي الإضاءة.
وقعت اسمي بثبات
مايا سترلينغ
المدير التنفيذي

By 7777

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *