كنتُ أسرق طعامه كلّ يوم… حتى علّمتني قطعة خبز معنى الغِنى الحقيقي كنت إرهاب المدرسة لا مجازا ولا مبالغة. كان ذلك توصيفا دقيقا يعرفه كل من يمر في الممرات حين أظهر. كنت أرى الخوف في العيون قبل أن أسمعه في الصمت. الصغار يخفضون رؤوسهم تلقائيا والكبار يتظاهرون بالانشغال أما المعلمون فكانوا يرون لكنهم اختاروا ألا يروا. اسمي سيباستيان. ابن وحيد وهذا وحده كان كافيا ليجعلني أظن أن العالم خلق لي. كان أبي سياسيا نافذا من أولئك الذين يتحدثون كثيرا عن العدالة الاجتماعية وهم محاطون بالحراس. يظهر على شاشات التلفاز بابتسامة محسوبة يرفع صوته حين يتحدث عن تكافؤ الفرص ثم يعود إلى منزله المحاط بالأسوار العالية. وكانت أمي مالكة لسلسلة من المنتجعات الصحية الفاخرة امرأة تعرف أسماء الزيوت العطرية أكثر مما تعرف مواعيد امتحاناتي. كنا نعيش في قصر واسع إلى حد أن الصمت كان يرتد من الجدران. غرف كثيرة أثاث فاخر لوحات لا أفهمها وممرات طويلة كنت أقطعها وحيدا. لم يكن ينقصني شيء إلا شخصا يسألني بصدق كيف حالك. كنت أملك كل ما يحلم به فتى في عمري أحذية باهظة الثمن ملابس تحمل أسماء لامعة أحدث هاتف وبطاقة ائتمان لا يسأل صاحبها عن الرصيد. لكن خلف هذا اللمعان كانت هناك وحدة ثقيلة تلتصق بي كظل لا يفارقني. وفي المدرسة تحولت تلك الوحدة إلى قسوة. كنت أمتلك السلطة والسلطة حين تسكن قلبا فارغا تبحث دائما عمن تسحقه لتشعر بوجودها. وكأي جبان يملك نفوذا احتجت إلى ضحية. وكان توماس الخيار الأسهل. توماس كان الطالب الحاصل على منحة. ذلك الذي يجلس في آخر الصف كأنه لا يريد أن يرى. يرتدي زيا مدرسيا مستعملا واضح أنه انتقل من جسد إلى جسد ومن زمن إلى زمن. يمشي دائما ورأسه منخفض كتفاه منحدرتان كأن العالم أثقل مما ينبغي على طفل في عمره. كان يحمل طعامه في كيس ورقي بني مجعد عليه بقع زيت قديمة تشي بوجبات بسيطة تتكرر بلا تنوع. ذلك الكيس كان يعلن فقره قبل أن ينطق هو بكلمة. وبالنسبة إلي كان ذلك الكيس دعوة مفتوحة للسخرية. كل يوم في وقت الاستراحة كنت أكرر الطقس نفسه. أنتزع الكيس من يده بعنف مقصود أصعد على طاولة وأرفع صوتي ليصل إلى أبعد زاوية هيا نر ماذا جلب أمير الأحياء الفقيرة اليوم! كانت الضحكات تنفجر من حولي. وكان ذلك الصوتصوت ضحك الآخرينهو الوقود الذي أعيش عليه. توماس لم يكن يدافع عن نفسه. لم يصرخ يوما لم يدفعني لم يشتم. كان يقف صامتا عيناه تلمعان بالدموع يتوسل في داخله أن تنتهي الإهانة سريعا. كنت أخرج طعامهموزة مهشمة أو أرزا بارداوألقيه في سلة المهملات كما لو كان شيئا قذرا. ثم أذهب إلى المقصف أشتري ما أشاء أدفع دون أن أنظر إلى السعر وأضحك. لم أكن أسمي ما أفعله قسوة. كنت أسميه تسلية. إلى أن جاء ذلك الثلاثاء. كان يوما رماديا السماء ملبدة والبرد يتسلل إلى العظام. شعرت أن في الجو شيئا غير طبيعي لكنني تجاهلته. وحين رأيت توماس لاحظت أن كيسه بدا أصغر من المعتاد. أخف كأن بداخله فراغا. قلت بسخرية أوه خفيف اليوم. ماذا حدث هل نفد المال حتى للأرز وللمرة الأولى حاول توماس أن يستعيد الكيس. اقترب خطوة ومد يده وقال بصوت مكسور أرجوك يا سيباستيان ليس اليوم. تلك الكلمات بدل أن توقظ ضميري أيقظت وحشا داخلي. شعرت بالقوة. شعرت بأنني أتحكم بمصير شخص آخر. فتحت الكيس أمام الجميع وقلبته. لم يسقط طعام. سقطت قطعة خبز قاسية وورقة صغيرة مطوية. ضحكت أولا. لكن ضحكتي خرجت فارغة. قرأت الرسالة بصوت عال ساخرا في البداية ثم خافت صوتي دون أن أشعر وحين انتهيت لم يضحك أحد. كان الصمت أثقل من أي ضحك. رأيت توماس يبكي لا بصوت بل بخجل. ورأيت الخبز على الأرض. وفهمت. ذلك الخبز لم يكن فقرا. كان تضحية. كان أما تجوع ليأكل ابنها. وفي تلك اللحظة انكسر شيء في داخلي لن يعود كما كان. فكرت في حقيبة طعامي الفاخرة وفي أمي التي لم تسألني منذ أيام عن يومي وفي نفسي التي كانت ممتلئة بكل شيء إلا المعنى. اقتربت من توماس وركعت أمامه وسط ذهول الجميع. التقطت الخبز كأنني ألتقط ذنبا ومسحته وأعدته إليه مع الرسالة. ثم أعطيته طعامي. وجلست بجانبه. ذلك اليوم لم آكل. ذلك اليوم بدأت أفهم. ومن هنا بدأت القصة الحقيقية. جلست إلى جوار توماس ذلك اليوم ولم أعرف ماذا أفعل بيدي. كانتا معتادتين على الأخذ لا على العطاء. على الإمساك لا على التردد. لم ينظر إلي في البداية. ظل يحدق في الخبز والورقة كأنه يخشى أن يكون ما حدث حلما سينكسر إذا رفع رأسه. قلت له بهدوء لم أعرفه من قبل كل الطعام طعامك الآن. لم يقل شكرا. لم يقل شيئا أصلا. لكن كتفيه ارتختا قليلا وكأن ثقلا هائلا انزاح عنهما. ذلك الصمت كان أول درس حقيقي أتلقاه في حياتي. بعد ذلك اليوم تغير كل شيء ببطء وبصعوبة وبدون معجزات. لم أصبح فجأة محبوبا. ولم يتحول الماضي إلى صفحة بيضاء. الضحكات التي كنت أعيش عليها صارت تخنقني. نظرات الخوف في عيون الآخرين بدأت تطاردني حتى في أحلامي. وكل مرة حاولت أن أضحك أو أسخر كان وجه أم توماس ينهض أمامي وتلك الجملة البسيطة تتردد في رأسي لم أتناول الفطور هذا الصباح كي تأكل أنت. بدأت ألاحظ أشياء لم أكن أراها من قبل. لاحظت أن توماس يكتب واجباته بعناية مبالغ فيها لا لأنه مجتهد بطبعه بل لأنه يخاف أن يخيب أمل أحد. لاحظت أنه يعتذر كثيرا حتى حين لا يخطئ. وكأن الفقر علمه أن يعتذر عن وجوده. وذات مرة سألته لماذا تدرس كل هذا نظر إلي باستغراب ثم قال ببساطة لأن أمي تتعب كثيرا ولا أريد أن أكون سببا آخر لتعبها. في تلك اللحظة شعرت بصغر نفسي كما لم أشعر من قبل. مرت أيام ثم أسابيع. بدأت أترك له جزءا من طعامي كل يوم دون استعراض. لا أمام الناس ولا طلبا للغفران. فقط لأن ذلك صار طبيعيا. وفي أحد أيام الجمعة جمعت شجاعتي وسألته إن كان بإمكاني زيارة أمه. تردد قليلا ثم وافق. تصفّح المقالات المغسلة وسر الست عطيات بقلم اسامه الهواري تؤام زوجي سلمى جاد 1 2