ذهبنا معا بعد المدرسة إلى حي لم تطأه قدماي من قبل.
شوارع ضيقة بيوت متقاربة
وروائح طعام بسيطة تختلط برائحة التعب.
استقبلتنا امرأة نحيلة يداها خشنتان من العمل لكن عينيها كانتا دافئتين بشكل أربكني.
ابتسمت لي ابتسامة صادقة تلك الابتسامة التي لا تصنع ولا تدرب.
قالت
تفضل البيت بيتك.
حين قدمت لي فنجان قهوة أدركت أنها على الأرجح آخر ما تملكه من شيء ساخن في ذلك اليوم.
جلست هناك أحتسي القهوة وأستمع إلى حديثها عن العمل وعن التعب وعن خوفها الوحيد
أن يكبر ابنها وهو يشعر بالنقص.
لم تتذمر.
لم تشتك.
كانت تحكي وكأن التضحية أمر عادي.
وحين نظرت إلي وقالت
توماس طيب أرجو ألا يؤذيه أحد
شعرت بأن الكلمات موجهة إلي مباشرة.
في تلك الليلة عدت

إلى قصرنا الكبير.
لكنه للمرة الأولى بدا لي أصغر من أي وقت مضى كأن الجدران العالية انكمشت وكأن المساحات الواسعة فقدت قدرتها على إبهاري.
كان الصمت يملأ المكان لا صمت الراحة بل صمت الفراغ ذلك الصمت الذي لا يجاوبه صوت قلب أو دفء إنسان.
مررت في الممرات الطويلة التي طالما ركضت فيها طفلا فلم أسمع سوى وقع خطواتي.
لا ضحكات لا أسئلة لا أحد ينتظرني عند الباب.
دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي ببطء كأنني أخشى أن أزعج شيئا نائما في داخلي.
جلست على طرف السرير وأخذت أتأمل ملابسي المعلقة بعناية تلك التي تحمل أسماء لامعة وألوانا باهظة الثمن.
نظرت إلى حذائي الجديد إلى ساعتي إلى هاتفي الذي لا يفارق يدي.
كل ما كنت أظنه يوما ثروة بدا لي فجأة بلا روح بلا معنى كأشياء جميلة لكنها صامتة لا تمسك يدك حين تسقط ولا تسأل عنك حين تتألم.
لم أر في تلك الأشياء شيئا يشبه ما رأيته في ذلك البيت الصغير.
ذلك البيت الذي ضاق بجدرانه لكنه اتسع بقلب يتسع للجوع والحب معا.
بيت لم يملك الكثير لكنه امتلك ما لم أعرفه أنا طوال حياتي التضحية.
عندها فقط فهمت أخيرا ما لم يعلمني إياه أحد.
لا في المدرسة حيث تلقى الدروس كقواعد جافة
ولا في البيت
حيث كان كل شيء متوفرا إلا الإصغاء
ولا في الخطب الطويلة عن القيم والأخلاق التي تقال بسهولة ولا تعاش.
فهمت أن الغنى ليس ما تملكه في خزانتك من ملابس
ولا ما تحمله في جيبك من مال
ولا ما يلمع في معصمك أو في جيبك الخلفي من رموز يظنها الناس قيمة.
الغنى
هو ما تستطيع أن تتخلى عنه دون أن تخسر نفسك
وما تستطيع أن تعطيه دون أن تشعر بأنك تنتزع من داخلك قطعة
وما تقدمه لأنك إنسان قبل أن تكون صاحب فضل.
ومنذ ذلك اليوم لم يتغير شكلي كثيرا
لم تتبدل ملامحي ولم تختف ملابسي الباهظة
لكن مساري تغير بالكامل وكأن طريقا جديدا فتح أمامي لم أكن أراه من قبل.
لم أعد أنظر إلى الناس من عل
ولا أبحث عن ضحكة تبنى على ألم غيري
ولا أستمد شعوري بالقوة من إضعاف الآخرين.
لم أصبح ملاكا
ولا بطلا تروى عنه القصص
ولا مثالا كاملا يحتذى
لكنني أصبحت إنسانا يحاول ويحاول بصدق
يحاول أن يصلح ما كسر ولو ببطء
ويحاول أن ينصت أكثر مما يتكلم.
بدأت أختار كلماتي كما يختار الطريق في ليلة معتمة
وأحسب خطواتي قبل أن أقدم عليها
وأتوقف قبل أن أؤذي حتى لو كان الأذى مجرد مزحة كما كنت أسميها سابقا
لأنني أدركت متأخرا أن المزاح حين يجرح لا يكون مزاحا.
ووعدت
نفسي وعدا حقيقيا
وعدا لم أعلنه ولم أحتج أن يسمعه أحد سواي
لكنني كنت أعرف في أعماقي أنه وعد لا يحتمل الخيانة
ما دام في جيبي مال
وما دام في قلبي وعي
وما دام في صدري شيء يشبه الضمير
فلن تجوع أم توماس مرة أخرى
ولن يشعر هو يوما أن كرامته قابلة للمساومة أو السخرية.
ولم يكن ما فعلته بعدها صدقة
ولا محاولة لتلميع صورة أو تكفير ذنب علني
كان دينا.
دينا ثقيلا نعم
لكنه دين جميل
لأنه لا يثقل الروح بل يحررها.
دينا لقطعة خبز قاسية
لم تشبع معدة طفل فحسب
بل أيقظت إنسانا كان نائما في داخلي
إنسانا لم يعرف أنه كان غائبا حتى تلك اللحظة.
تلك القطعة الصغيرة علمتني درسا
لم تعلمه لي قصورنا
ولا مدارسنا المزينة
ولا أموالنا التي كانت تتكاثر دون أن تضيف شيئا إلى أرواحنا
أن هناك أناسا يملكون جيوبا فارغة
لكن قلوبهم ممتلئة حتى الفيض
وأن هناك آخرين يملكون كل شيء
ولا يملكون أنفسهم.
وهكذا اكتشفت أخيرا الحقيقة التي كنت أهرب منها طويلا
الحقيقة التي كانت تلاحقني في صمت
أنني لم أكن أسرق طعام زميلي كل يوم
بل كنت أسرق من نفسي آخر فرصة لأكون إنسانا جديرا باسمه.
لكن تلك الرسالة الصغيرة
المكتوبة بحبر أم جائعة
وبقلب ممتلئ بالحب أكثر من الخبز
لم تنقذ توماس وحده
بل أعادتني أنا أيضا
وأعادت إلي إنسانيتي التي ظننت يوما أن المال يغني عنها.

By 7777

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *